|
المقدمة
الدرس الأول : الإيمان بالله
تعالى
الدرس الثاني : التوحيد
الدرس الثالث : صفات الله تعالى
الدرس الرابع : العدل
الدرس الخامس : الجبر والاختيار
الدرس السادس : فلسفة الشرور
والافات
الدرس السابع : النبوة
الدرس الثامن : النبوة الخاصة
الدرس التاسع : الإمامة
الدرس العاشر : الموت وحقيقته
الدرس الحادي عشر : عالم البرزخ
الدرس الثاني عشر : المعاد
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على اشرف الأنبياء والمرسلين سيدنا ونبينا أبي القاسم محمد بن عبد الله وعلى آله الطيبين الطاهرين
وبعد،
إن لموضوع العقائد أهمية كبرى في حياة الإنسان المسلم
وفي صقل شخصيته الإيمانية الرسالية، لما لها من أثر على صعيد حياته الأخروية
ومسلكيته الدنيوية .
لذلك نضع بين أيديكم هذا الكتاب "عقائد
قرآنية" الذي أطللنا فيه على أهمات العقائد الإسلامية على ضوء القرآن الكريم،
حيث استنطقنا آياته وبحثنا في محتوياته حتى خرج هذا الكتاب إلى القارئ العزيز
مسترشداً بأدلة وجدانية وعقلية من أنوار القرآن الكريم، مع ما فيه من مطالعات
مفيدة وذكر لمجموعة من الكتب العقائدية التي يمكن أن يرجع إليه القارئ .
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين
جمعية المعارف الإسلامية الثقافية
الدرس الأول : الإيمان بالله تعالى
عن أمير المؤمنين (ع) في نهج البلاغة: «أول الدين معرفته
«اللَّه» وكمال معرفته التصديق به وكمال التصديق به توحيده وكمال توحيده الإخلاص
له».
إن الطرق إلى معرفة اللَّه تعالى كثيرة، كما قيل إن
السبل إلى اللَّه بعدد الخلائق بل إن الطرق إلى اللَّه بعدد أنفاس الخلائق حيث
يقول الشاعر:
وفي كل شيء له اية
تدل على أنه واحد
ونحن هنا نذكر بعض الأدلة القرانية لأصول العقائد
الإسلامية ونضيء على بعض الأدلة التي لها ارتباط بالايات القرانية.
الإيمان بوجود اللَّه تعالى بديهي لا
يحتاج إلى دليل:
لئن ذكرنا بعض الأدلة على وجود اللَّه تعالى، من خلال
عرض بعض الايات القرانية الكريمة، إلا أن القران الكريم يؤكد حقيقة: أن وجود
اللَّه أمر بديهي لا شك فيه، ومن ذلك قوله تعالى: «أَفِي
اللّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ »
(1).
ولقد اعتبر بعض العرفاء «وجود اللَّه» في العالم أمراً
بديهياً، وقالوا إن استنباط هذه الحقيقة من ايات القران والوقوف عليها لا يحتاج
إلى الاستدلال عليه والتفكير مطلقاً.
كما ويمكن استفادة إشارات واضحة إلى هذا الأمر من دعاء
الإمام الحسين (ع) يوم عرفة يقول:
«كيف يستدل عليك بما هو في وجوده مفتقر إليك؟! أيكون لغيرك من الظهور ما ليس لك
حتى يكون هو المظهر لك؟! متى غبت حتى تحتاج إلى دليل يدل عليك؟!
ومتى بعدت حتى تكون الاثار هي التي توصل إليك؟!
«عميت عين لا تراك عليها رقيباً».
ويقول (ع)
في ختام دعائه: «يا من تجلّى بكمال بهائه، كيف
تخفى وأنت الظاهر؟! أم كيف تغيب وأنت الرقيب الحاضر»
(2).
الفطرة دليل على وجود اللَّه تعالى:
يذهب أكثر المفسرين إلى أن فطرية الإيمان باللَّه تعالى
أمر يمكن استفادته من الايات القرانية، أي أنها تصرِّح أن الاعتقاد بوجود اللَّه
تعالى فطري لدى الإنسان أي أن الإيمان به سبحانه وتعالى عند الإنسان كسائر الغرائز
المتأصلة في النفس فكما يحب الإنسان الخير فطرياً أو يكره الشر كذلك، يحب أن يبحث
عن اللَّه ويؤمن به فطرياً.
يقول تعالى: « فَأَقِمْ
وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا
لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ
النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ »
(3).
ففي هذه الاية لم يجعل مسألة معرفة اللَّه والإيمان به،
فقط أمراً فطرياً بل وصف الدين بكونه فطرياً.
نعم ليس معنى فطرية الإيمان باللَّه تعالى أن يكون
الإنسان بالضرورة متوجهاً إلى اللَّه دائماً ملتفتاً إليه في جميع حالاته، إذ ربّ
عوامل تتسبب في اخفاء هذا الاحساس في خبايا النفس، وتمنع وتحجب الفطرة عن اكتشاف
وجود الخالق تعالى، وعندما يرتفع ذلك الحجاب، فإذا به يسمع نداء الفطرة.
عندما تقع للإنسان حوادث خطيرة كهجوم الأمواج العاتية
على سفينة يركبها في عرض البحر أو حصول عطل فني في الطائرة يهدِّدها بالسقوط أو ما
إلى ذلك، فعندما يواجه الإنسان المخاطر نراه يتوجه من فوره وبصورة تلقائية
فطرية إلى اللَّه تعالى، بلا حاجة
إلى إعطائه دروساً استدلالية على وجود اللَّه تعالى يقول تعالى: « هُوَ الَّذِي
يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذَا كُنتُمْ فِي الْفُلْكِ
وَجَرَيْنَ بِهِم بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُواْ بِهَا جَاءتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ
وَجَاءهُمُ الْمَوْجُ مِن كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّواْ أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ
دَعَوُاْ اللّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ
لَنَكُونَن مِنَ الشَّاكِرِينَ * فَلَمَّا أَنجَاهُمْ إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِي
الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ»
(4).
ويقول تعالى:« فَإِذَا
رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا
نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ »
(5).
وكذلك قوله تعالى: «وَإِذَا
مَسَّ الإِنسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنبِهِ أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَائِمًا
فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَن لَّمْ يَدْعُنَا إِلَى ضُرٍّ
مَّسَّهُ كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ »
(6)،
إلى غير ذلك من الايات التي تتحدَّث عن هذا المعنى.
أدلة وجود اللَّه تعالى:
برهان الفقر:«يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنتُمُ الْفُقَرَاء
إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ * إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ
وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيد»
(7).
لا ريب أن فقر الشيء دليل قاطع على احتياجه إلى «غني
قوي» يزيل حاجته، من هنا لا بد أن يكون لهذا الكون بأسره من أفاض
عليه الوجود.
إن الظواهر الكونية من الذرة إلى المجرة أي السماوات
والأرض وما فيهما هي جمادات فقيرة في ذاتها، كانت لا شيء ثم وُجدت فهي مسبوقة
بالعدم، فلكي توجد لا بد من موجد لها لأنها لا يمكن أن توجد نفسها بنفسها، وهذا
الموجد لها لا بد وأن يكون غنياً عنده القدرة على ايجادها ويخرجها من العدم إلى
الوجود. وكذلك الإنسان يدخل ضمن هذه القاعدة، فإنه في ذاته فقير ليس غنياً أي لا
يقدر أن يوجد نفسه بنفسه بل يحتاج إلى قوة أكبر منه توجده، لذلك يقول تعالى:«يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنتُمُ الْفُقَرَاء إِلَى اللَّهِ
وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ »
(8)
وقد ركَّز القران الكريم في مواضع متعددة على صفة «الغني» في الذات الإلهية
المقدسة بحيث يمكن اعتبار ذلك إشارة ضمنية أو صريحة إلى هذا البرهان، أي برهان
الفقر، ومن هذه الايات: « وَاللَّهُ الْغَنِيُّ
وأَنتُمُ الْفُقَرَاء »
(9)
إلى غير ذلك من الايات الكثيرة.
يقول تعالى: «أَمْ خُلِقُوا
مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ * أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ
وَالْأَرْضَ بَل لَّا يُوقِنُونَ »
(10)
« أَمْ لَهُمْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ سُبْحَانَ اللَّهِ
عَمَّا يُشْرِكُون »
(11)
هذه الايات وما بعدها تطرح تساؤلات واحتمالات حول مبدأ الإنسان وعلة وجود العالم:
أ - أن تكون الكائنات البشرية قد وجدت بلا علة بمعنى أن
تكون قد وجدت صدفة، ومن تلقاء نفسها.
وقد طرح هذا السؤال في قوله تعالى:
«أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْء ».
ب أن تكون
هي الخالقة لنفسها وهي الصانعة لذاتها أي أوجدت نفسها بنفسها وإلى هذا الاحتمال
أشارت جملة (أَمْ هُمُ الْخَالِقُون).
ج - أن يكونوا علةً لغيرهم من المخلوقات كالسماوات
والأرض!
«أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْض».
د - أن يكون الذي خلقهم وأوجدهم إله غير اللَّه تعالى!
«أَمْ لَهُمْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ».
هذه هي الاحتمالات وهي واضحة البطلان:
أما بطلان الاحتمال الأول: لبداهة أن لكل ظاهرة وحادث
ومعلول موجداً ومحدثاً وعلة، هذا ما يقول به العقل السليم، ولو ادعى أحد وقوع
معلول بلا علة لسخر منه العقلاء.
أما بطلان الاحتمال الثاني: فهو كذلك بديهي البطلان.
لأن معنى قولك (خلق الشيء نفسه) هو أن يكون الشيء
موجوداً قبل ذلك ليتسنى له خلق نفسه. ومعنى هذا: توقف الشيء وتقدمه على نفسه أي كان
موجوداً قبل أن يوجد وهو أمر مستحيل.
أما الاحتمال الثالث: فهو واضح البطلان لأن الإنسان
العاجز عن خلق نفسه الضعيفة، كيف له أن يخلق السماوات والأرض وهي أعظم خلقاً من
خلق الإنسان.
أما الاحتمال الرابع: فيلزم منه وجود شريك للباري وهو
أمر مستحيل كما سنثبت في الدرس اللاحق.
الكون اية تدل
على الخالق:
يقول اللَّه تعالى: « إِنَّ
فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ
وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنزَلَ
اللّهُ مِنَ السَّمَاء مِن مَّاء فَأَحْيَا بِهِ الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا
وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ
الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاء وَالأَرْضِ لايَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُون »
(12)
في هذه الاية الكريمة وفي غيرها الكثير من الايات، يلفت القران الكريم نظرنا إلى
ظاهرة الحياة وعشرات (بل مئات والاف) العوامل الخفية والبارزة التي ساعدت على وجود
ظاهرة الحياة على هذا الكوكب، وكأنها تقول: هل يمكن اجتماع كل هذه العوامل
والشرائط بمحض المصادفة، ودون وجود خالق هو الذي أوجدها ورتّبها ونظّمها.
وهنا نورد لكم بعض الأمثلة على دقّة النظام الكوني:
لقد خلقت الأرض بجاذبية خاصة وعلى قطر خاص بحيث تجذب بها
المياه والهواء نحو مركزها وتحافظ عليها.
فلو أن قطر الأرض كان ربع قطرها الفعلي لعجزت جاذبيتها
عن الاحتفاظ بالماء والهواء على سطحها ولارتفعت درجة الحرارة إلى حدِّ الموت.
ولو أن الأرض بعدت عن الشمس بمقدار ضعف ما هي عليه الان
لانخفضت درجة حرارتها (الأرض) إلى ربع حرارتها الحالية، ولتضاعف طول مدّة الشتاء
فيها، ولتجمدت كل الأحياء فيها.
ولو نقصت المسافة بين الأرض والشمس إلى نصف ما هي عليه
الان لبلغت الحرارة التي تتلقاها الأرض أربعة أمثال، ولالت الفصول إلى نصف طولها
الحالي ولصارت الحياة على سطح الأرض غير ممكنة.
تدور الأرض حول نفسها في كل 24 ساعة دورة واحدة، وهي في
دورتها هذه تسير بسرعة ألف ميل في الساعة. فلو تناقص ذلك (أي بلغ مقدار سرعتها
مائة ميل في الساعة مثلاً ) لتضاعف طول الليالي والأيام إلى عشرة أضعاف ما هي عليه
الان، ولأحرقت شمس الصيف بحرارتها الملتهبة كل النباتات في الأيام الطويلة،
ولجمّدت برودة الليالي الطويلة من جانب اخر كل البراعم والنباتات الصغيرة ولو أن
شعاع الشمس الواصل إلى الأرض تناقص إلى درجة النصف مما هو عليه الان لهلكت جميع أحياء
الأرض من فرط البرد. ولو تضاعف هذا المقدار لمات كل نبت بل لماتت نطفة الحياة وهي
في بطن الأرض، من شدّة الحرارة.
إلى غير ذلك من الأمثلة الكثيرة جدّاً، التي تدل على
ضرورة وجود الإله العليم الحكيم المدبِّر المنظّم، وتنفي وجود الكون مصادفة
(13).
خلاصة الدرس
الإيمان
بوجود اللَّه تعالى بديهي لا يحتاج إلى دليل وهذا ما أكده القران الكريم
« أفي
اللَّه شك فاطر السموات والأرض ».
الفطرة
دليل على وجود اللَّه تعالى وأن الإيمان به كسائر الغرائز المتأصلة في النفس كحب
الخير وكره الشرّ.
الفقر هو
دليل قاطع على الحاجة إلى غني قوي يزيل هذه الحاجة بإفاضة الوجود عليها وما
تحتاجها.
الكون اية
تدل على الخالق يقول تعالى: « إِنَّ فِي خَلْقِ
السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ
الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنزَلَ اللّهُ مِنَ
السَّمَاء مِن مَّاء فَأَحْيَا بِهِ الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِن
كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ
السَّمَاء وَالأَرْضِ لايَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُون ».
للحفظ
من دعاء الإمام الحسين ا يوم عرفة: «كيف يستدل عليك بما
هو في وجوده مفتقر إليك، أيكون لغيرك من الظهور ما ليس لك حتى يكون هو المظهر لك،
متى غبت حتى تحتاج إلى دليل يدل عليك».
أسئلة حول الدرس
1 - اذكر من القران الكريم دليل الفطرة على وجوده تعالى؟
2- متى تتحرَّك الفطرة وتصغو عند الإنسان؟
3 - كيف يكون الفقر دليلاً على وجود اللَّه تعالى؟
4 - اذكر التساؤلات والاحتمالات حول مبدأ الإنسان وعلة
وجوده؟
5 - كيف تستدل على وجود اللَّه تعالى من خلال خلق الكون؟
للمطالعة
معرفة اللَّه
شرح
الأسماء الحسنى الملا هادي
السبزواري ج1، ص22:
وروى الصدوق في كتاب التوحيد عن مولانا أبي الحسن الرضا
ا أنه بعث إليه المأمون فأتاه فقال بنو هاشم يا أبا الحسن اصعد المنبر فانصب لنا
علماً نعبد اللَّه عليه، فصعد صلوات اللَّه عليه وقعد ملياً لا يتكلم مطرقاً ثم
انتفض انتفاضة واستوى قائماً وحمد اللَّه وأثنى عليه وصلى على نبيه وأهل بيته ثم
قال أول عبادة اللَّه معرفته وأصل معرفته توحيده ونظام توحيده نفي الصفات عنه
بشهادة العقول إن كل صفة وموصوف مخلوق، وشهادة كل مخلوق إن له خالقاً ليس بصفة ولا
موصوف، وشهادة كل صفة وموصوف بالاقتران وشهادة الاقتران بالحدث وشهادة الحدث
بالامتناع من الأزل الممتنع من الحدث فليس اللَّه من عرف بالتشبيه ذاته ولا إياه
وحّد من اكتنهه، ولا حقيقته أصاب من مثله، ولا به صدق من نهاه، ولا صمد صمده من
أشار إليه، ولا إياه عنى من شبهه، ولا له تذلل من بعّضه، ولا إياه أراد من توهمه،
كل معروف بنفسه مصنوع، وكل قائم في سواه معلول بصنع اللَّه يستدل عليه، وبالعقول
يعتقد معرفته، وبالفطرة تثبت حجته خلقة اللَّه الخلق حجاب بينه وبينهم، ومباينته
إياهم مفارقته اينيتهم، وابتداؤه إياهم دليل على أن لا ابتداء له لعجز كل مبتدء عن
ابتداء غيره، وأدوه إياهم دليلهم على أن لا أداة فيه لشهادة الأدوات بفاقة
المؤدين، فأسماؤه تعبير وأفعاله تفهيم وذاته حقيقة وكنهه تفريق بينه وبين خلقه
وغيوره تحديد لما سواه. فقد جهل اللَّه من استوصفه، وقد تعداه من اشتمله، وقد أخطأ
من اكتنهه، ومن قال كيف فقد شبهه، ومن قال لِمَ فقد علله، ومن قال متى فقد وقته،
ومن قال فيمَ فقد ضمّنه، ومن قال إلى مَ فقد نهاه، ومن قال حتى فقد غياه، ومن غياه
فقد غاياه ومن غاياه فقد جزاه، ومن جزاه فقد وصفه، ومن وصفه فقد ألحد فيه. لا
يتغير اللَّه بانغيار المخلوق كما لا يتحدد بتحديد المحدود، أحد لا بتأويل عدد،
ظاهر لا بتأويل المباشر، متجلٍ لا بإستهلال رؤية، باطن لا بمزايلة، مباين لا
بمسافة، قريب لا بمداناة، لطيف لا بتجسم، موجود لا بعد عدم، فاعل لا بإضطرار، مقدر
لا بجول فكرة مدبر لا بحركة، مريد لا بهمامة، شاء لا بهمة، مدرك لا بمحسة سميع لا
بالة، بصير لا بأداة، لا تصحبه الأوقات ولا تضمنه الأماكن ولا تأخذه السِنات ولا
تحده الصفات ولا تقيده الأدوات سبق الأوقات كونه والعدم وجوده والابتداء أزله.
إقرأ
اسم الكتاب: التوحيد
المؤلف: الشيخ الصدوق.
التحقيق: السيد هاشم الحسيني الطهراني.
يحتوي الكتاب على أحاديث قيمة ثمينة عن رسول
اللَّه(ص) وأهل بيته (عليهم السلام) في مطالب التوحيد ومعرفة صفات اللَّه
عزَّ وجلَّ وأسمائه وأفعاله وكثير من المباحث الحكمية والكلامية التي دارت عليها
الأبحاث بين أهل العلم وفي مؤلفاتهم منذ القرن الأول إلى الان.
محتويات الكتاب الأبواب والأحاديث: إن أبواب الكتاب سبعة
وستون، وأما عدد الأحاديث فخمسمائة وثلاثة وثمانون.
الدرس الثاني : التوحيد
التوحيد أساس
دعوة الأنبياء:
أصل التوحيد هو من أهم المسائل الاعتقادية التي تصدَّرت
التعاليم السماوية حيث يُعدُّ أساساً لسائر التعاليم والمعارف الإلهية التي جاء
بها الأنبياء والرسل.
والتوحيد هو أصل من أصول الدين، يجب الإيمان به ومنكره
يعتبر كافراً ويخرج عن ملة المسلمين.
هو الاعتقاد بأن اللَّه تعالى واحد أحد لا شريك له ولا
شبيه ولا مثيل.
مراتب التوحيد:
للتوحيد مراتب عديدة، ويؤدي إنكارها إلى الخروج عن
الإيمان والإسلام، وهذه المراتب هي:
والمراد منه هو أنه سبحانه واحد لا نظير له، فردٌ لا
مثيل له، بل لا يمكن أن يكون له نظير أو مثيل.
ويدل على ذلك مضافاً إلى البراهين العقلية قوله سبحانه: «
فَاطِرُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَعَلَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا
وَمِنَ الْأَنْعَامِ أَزْوَاجًا يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ
وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ »
(14).
وقوله تعالى: « قُلْ هُوَ
اللَّهُ أَحَدٌ ء اللَّهُ الصَّمَد * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ ء وَلَمْ يَكُن
لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ »
(15).
وقوله تعالى: « هُوَ اللَّهُ
الْوَاحِدُ الْقَهَّار »
(16).
إلى غير ذلك من الايات الدالة على أنه تعالى واحد لا
نظير له ولا مثيل ولا ثان ولا عدل.
وقد كفر من ادعى له شريكاً أو مثيلاً أو جعله ثالث ثلاثة كما في قوله
تعالى « لَّقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللّهَ ثَالِثُ
ثَلاَثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلاَّ إِلَهٌ وَاحِد »
(17).
ولو كان للَّه تعالى شريك لاختلَّ نظام الكون وفسد
ولذهب كل إله بما خلق كما يقول تعالى: « لَوْ كَانَ
فِيهِمَا الِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا »
(18).
وجاء في وصية أمير المؤمنين ؛ لولده الحسن ؛: « يا بني
لو كان لربك شريك، لأتتك رسله، ولرأيت اثار ملكه وسلطانه، ولعرفت أفعاله وصفاته
ولكنه إله واحد كما وصف نفسه...»
(19)
فإنه من الطبيعي لو كان هناك شريك للَّه تعالى لظهرت اثاره ولأرسل الرسل تبشّر به
وتدعو إليه ومع عدم وجود هذه الاثار كيف نحكم بوجوده، فهذا يدل على عدم وجود شريك
للَّه تعالى.
والمراد منه هو أنه ليس في الوجود خالق أصيل غير اللَّه،
ولا فاعل مستقل سواه، وأن كل ما في الكون من مجرَّات ونجوم وكواكب وأرض وجبال
وبحار، وما فيها ومن فيها، وكل ما يُطلق عليه أنه فاعل وسبب فهي موجودات مخلوقة
للَّه تعالى، وأن كل ما ينتسب إليها من الاثار ليس لذوات هذه الأسباب، وإنما ينتهي
تأثير هذه المؤثرات إلى اللَّه سبحانه، فجميع هذه الأسباب والمسببات رغم ارتباط بعضها ببعض مخلوقة للَّه، فإليه تنتهي العلّية
والسببية، فهو علّة العلل ومسبِّبها.
ويدل على ذلك
مضافاً إلى الأدلة العقلية
قوله سبحانه: «قُلِ اللّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ
الْقَهَّارُ »
(20).
وقوله تعالى: « اللَّهُ
خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ »
(21).
وقوله جلَّ وعلا: « ذَلِكُمُ
اللَّهُ رَبُّكُمْ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ لا إِلَهَ إِلا هُو »
(22).
وقوله سبحانه: «
ذَلِكُمُ * اللّهُ رَبُّكُمْ لا
إِلَهَ إِلاَّ هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ »
(23)
إلى غير ذلك ايات كثيرة تدل على ذلك.
والمراد منه هو أن للكون مدبّراً واحداً، ومتصرفاً
واحداً لا يشاركه في التدبير شيء، وأن تدبير الملائكة وسائر الأسباب إنما هو
بأمره سبحانه، وهذا على خلاف بعض المشركين حيث كان يعتقد أن الذي يرتبط باللَّه
تعالى إنما هو الخلق والايجاد والابتداء، وأما التدبير فقد فوِّض إلى الاجرام
السماوية والملائكة والجن والموجودات الروحية التي كانت تحكي عنها الأصنام
المعبودة، وليس له أي دخالة في تدبير الكون وإدارته وتصريف شؤونه.
يقول تعالى: « إِنَّ
رَبَّكُمُ اللّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ
ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الأَمْرَ مَا مِن شَفِيعٍ إِلاَّ مِن
بَعْدِ إِذْنِهِ ذَلِكُمُ اللّهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ »
(24)
« اللّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ
تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ
كُلٌّ يَجْرِي لأَجَلٍ مُّسَمًّى يُدَبِّرُ الأَمْرَ يُفَصِّلُ الايَاتِ
لَعَلَّكُم بِلِقَاء رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ »
(25).
فإذا كان هو المدبِّر وحده فيكون معنى قوله تعالى: « فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا »
(26).
وقوله تعالى: « وَهُوَ
الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُم حَفَظَة »
(27) أن هؤلاء مدبِّرات بأمره وإرادته تعالى،
فلا ينافي ذلك انحصار التدبير الاستقلالي في اللَّه سبحانه.
وقد استدل القران الكريم على وحدة المدبّر في العالم في
ايتين:
«لَوْ كَانَ فِيهِمَا الِهَةٌ إِلَّا
اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ»
(28).
«وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا
لَّذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ
سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُون»
(29).
وهما يعنيان: أن تصور المدبِّر لهذا العالم على وجوه:
1 - أن يتفرّد كل واحد من الالهة بتدبير مجموع الكون
باستقلاله، ففي هذه الصورة يلزم تعدد التدبير؛ وهذا يستلزم طروء الفساد على العالم
وذهاب الانسجام والنظام المشهود.
وهذا ما يشير إليه قوله سبحانه: «لَوْ كَانَ فِيهِمَا الِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا...»
2 - أن يدبّر كل واحد قسماً من الكون الذي خلقه، وعندئذ
يجب أن يكون لكل جانب من الجانبين نظام مستقل خاص مغاير لنظام الجانب الاخر وغير
مرتبط به أصلاً، وعندئذ يلزم انقطاع الارتباط وذهاب الانسجام والنظام من الكون، في
حين أننا لا نرى في الكون إلا نوعاً واحداً من النظام يسير على قانون مترابط
دقيق يسود كل جوانب الكون من الذرة
إلى المجرة.
وإلى هذا الوجه أشار قوله تعالى: « ... إِذًا لَّذَهَبَ
كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ ».
3 - أن يتفضّل أحد هذه الالهة على البقيّة ويكون حاكماً
عليهم ويوحّد جهودهم، وأعمالهم ويسبغ عليها الانسجام والاتحاد والنظام الواحد
وعندئذ يكون الإله الحقيقي هو هذا الحاكم دون الباقين.
وإلى هذا يشير قوله تعالى:« وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى
بَعْض»، وإلاّ لو لم يكن هناك إله واحد لتصارع الالهة وخرب الكون وفسد وفني؛ لأن
كل واحد يريد أن يعلو على الاخر ويتفرّد في الحكم والتدبير.
وهو أن
تؤمن بأن المستحق للعبادة هو اللَّه تعالى وحده لأنه هو الخالق والعبودية من شأن
الخالق الغني غير المحتاج، لذلك يستحقّها وحده دون غيره كما نقرأ في سورة الحمد
(إيّاك نعبد وإيّاك نستعين) فهنا
القران الكريم حصر العبودية باللَّه تعالى حيث يقول: «
قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْاْ إِلَى كَلَمَةٍ سَوَاء بَيْنَنَا
وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللّهَ وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًاً »
(30).
أصل
التوحيد هو من أهم المسائل الاعتقادية التي تصدرت التعاليم السماوية وبعد أساساً
لسائر التعاليم والمعارف الإلهية التي جاء بها الأنبياء والرسل.
التوحيد
هو الاعتقاد بأن اللَّه تعالى واحد أحد لا شريك له ولا شبيه ولا مثيل.
للتوحيد
مراتب عديدة يؤدي إنكارها إلى الخروج عن الإيمان والإسلام منها:
1 - التوحيد في الذات. 2 - التوحيد في الخالقية.
3 - التوحيد في الربوبية. 4 - التوحيد في العبادة.
في وصية أمير المؤمنين ا لولده الحسن (ع): « يا بني لو كان لربك شريك لأتتك رسله، ولرأيت اثار ملكه
وسلطانه، ولعرفت أفعاله وصفاته ولكنه إله واحد كما وصف نفسه...».
1 - ما معنى التوحيد؟
2 - عدد مراتب التوحيد؟
3 - كيف استدل القران الكريم على وحدة المدبر؟
4 - ما معنى التوحيد في الذات؟
5 - ما معنى التوحيد في العبادة؟
التوحيد
قال الإمام الصادق للمفضل بن عمر الجعفي
(31):
يا مفضل أول العبر والدلالة على الباري جل قدسه تهيئة هذا العالم وتأليف أجزائه
ونظمها على ما هي عليه، فإنك إذا تأملت العالم بفكرك وخبرته بعقلك وجدته كالبيت
المبني المعد فيه جميع ما يحتاج إليه عباده، فالسماء مرفوعة كالسقف، والأرض ممدودة
كالبساط، والنجوم مضيئة كالمصابيح، والجواهر مخزونة كالذخائر، وكل شيء فيها لشأنه
معد، والإنسان كالمالك ذلك البيت والمخوّل جميع ما فيه، وضروب النبات مهيأة
لمأربه، وصنوف الحيوان مصروفة في مصالحه ومنافعه، ففي هذا دلالة واضحة على أن
العالم مخلوق بتقدير وحكمة ونظام وملاءمة وأن الخالق له واحد وهو الذي ألفه ونظمه
بعضاً إلى بعض جل قدسه وتعالى جده وكرم وجهه ولا إله غيره تعالى عما يقول الجاحدون
وجل وعظم عما ينتحله الملحدون.
(خلق الإنسان وتدبير الجنين في الرحم ).
نبدأ يا مفضل بذكر خلق الإنسان فاعتبر، به فأول ذلك ما
يدبر به الجنين في الرحم وهو محجوب في ظلمات ثلاث ظلمة البطن وظلمة الرحم وظلمة
المشيمة حيث لا حيلة عنده في طلب غذاء ولا دفع أذى ولا استجلاب منفعة ولا دفع مضرة
فإنه يجري من دم الحيض ما يغذوه الماء والنبات فلا يزال ذلك غذاؤه.
(كيفية ولادة الجنين وغذائه وطلوع أسنانه وبلوغه).
حتى إذا كمل خلقه واستحكم بدنه وقوي أديمه وبصره على
ملاقاة الضياء هاج الطلق بأمه فأزعجه أشد إزعاج وأعنفه حتى يولد فإذا ولد صرف ذلك
الدم الذي كان يغذوه من دم أمه إلى ثديها وانقلب الطعم واللون إلى ضرب اخر من
الغذاء وهو أشد موافقة للمولود من الدم فيوافيه في وقت حاجته إليه فحين يولد قد
تلمظ
(32)
وحرك شفتيه طلباً للرضاع...
اسم الكتاب: النكت الاعتقادية
هو شرح الألفاظ المستعملة في علم الكلام بعنوان «إن
قال... فقل» ثم ذكر الأدلة بإيجاز شديد على الأصول الخمسة الاعتقادية، وأهم
مسائلها.
أسلوب الكتاب:
لقد كتب الشيخ المفيد هذا الكتاب بأسلوب الاستدلال
والبرهان العقلي، وجعله بطريقة السؤال والجواب.
ومن هنا نفهم أهمية الإجابة على الأسئلة في العهود
الإسلامية المختلفة.
لقد تحلى الشيخ المفيد في هذا الكتاب بنظرة واسعة
وواضحة، واستقبل كل ما يمكن أن يطرح من الأسئلة، ثم أجاب عليها ببيان متين ومنطقي.
أهمية الكتاب:
لقد حظي كتاب « النكت الاعتقادية » مثل سائر كتب الشيخ
المفيد بأهمية واعتبار كبيرين، وقد اختص بمكانة مرموقة بين مؤلفات الشيعة.
الدرس الثالث : صفات الله تعالى
إن صفات اللَّه سبحانه وتعالى تنقسم إلى قسمين: الصفات
الثبوتية والصفات السلبية.
الصفات
الثبوتية: وهي كل صفة مثبتة لجمال وكمال في الموصوف فهي صفة ثبوتية أو صفة جمال
وكمال وهي كثيرة لا تنحصر لأنه تعالى ثابت له كل كمال والخلو من الكمال نقص وكل
نقص منفي عنه تعالى.
الصفات السلبية: وهي كل صفة تنفي عنه تعالى كل نقص لأن
إثبات الكمال لا يكون إلا بنفي النقص، كما لا يتم إثبات الحق إلا بنفي الباطل،
وتسمى هذه الصفات بصفات الجلال أيضاً.
والصفات الثبوتية تنقسم إلى قسمين: الصفات الذاتية
والصفات الفعلية.
أما
الصفات الذاتية: فهي كل صفة منتزعة من نفس الذات كالعلم والحياة والقدرة.
والصفات الفعلية: هي كل صفة منتزعة من نوع علاقة اللَّه
وارتباطه بالمخلوقات كالخالقية،
والربوبية.
ونقصر
الكلام هنا حول الصفات الثبوتية والسلبية حيث نذكر بعضاً من هذه الصفات وبعض
الايات الدالة عليها.
وهي عديدة منها:
1 - العلم: إن اللَّه تعالى عليم حكيم لأنه خالق كل شيء
وخلقه على وجه الحكمة والاتقان ولا يمكن أن يصدر هذا الاتقان إلا عن عالمٍ حكيمٍ
وعلمه واسع شاملٌ لكل شيء.
يقول تعالى: « وَاللّهُ
بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ »
(33)
ويقول تعالى: « وَاللّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ »
(34).
وقوله أيضاً: «وَلَقَدْ
خَلَقْنَا الْإِنسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُه...»
(35).
وقوله تعالى: «وَيُبَيِّنُ
اللَّهُ لَكُمُ الْايَاتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ»
(36).
وقوله تعالى: « وَعِندَهُ
مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لاَ يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ
وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلاَّ يَعْلَمُهَا وَلاَ حَبَّةٍ فِي
ظُلُمَاتِ الأَرْضِ وَلاَ رَطْبٍ وَلاَ يَابِسٍ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ »
(37).
ويقول تعالى: «قُلْ إِن
تُخْفُواْ مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللّهُ وَيَعْلَمُ مَا
فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأرْض»
(38).
ومما قدّمنا من الايات تقف على حقيقة سعة علم اللَّه
تعالى، فهو عليم بكل شيء لا يخفى عليه شيء، عالم بالغيب والشهادة، بما مضى وما
يأتي، بالسرِّ وأخفى، وبكلِّ جزئيات هذا الكون.
ويقول تعالى: « أَلَا
يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ»
(39).
هذه الاية المباركة تتحدث عن علمه تعالى، فالذي خلق
القلوب يعلم ما تكنّ فيها من أسرار، والذي خلق عباده لا يجهل أسرارهم، والذي خلق
عالم الوجود جميعاً عارف ومطّلع على جميع أسراره، لأن المخلوقات تكون دائماً تحت
رعاية خالقها وأنه أعرف شيء بها، فإدراك هذه العلاقة القائمة بين الخالق والمخلوق
هو أفضل دليل على علم الخالق بالمخلوقات في كل زمان ومكان.
وإلى ذلك يشير أمير المؤمنين (ع) : ( لا يعزب عنه عدد
قطر السماء، ولا نجومها ولا سوافي الريح في الهواء، ولا دبيب النمل على الصّفا،
ولا مقيل الذَّر في الليلة الظلماء، يعلم مساقط الأوراق، وخفيَّ الأحداق)
(40).
وقال (ع) : « قد علم السرائر،
وخبر الضمائر، له الإحاطة بكل شيء »
(41).
وقد وصف نفسه في الكتاب الكريم بالسميع البصير فقد جاء
ذكر السميع 41 مرة وذكر البصير 42 مرة، ولكن سمعه وبصره سبحانه وتعالى ليس بجارحة
أوعضو يسمع ويرى بهما لأنه ليس كمثله شيء بل ترجع هاتان الصفتان إلى العلم، فإنه
تعالى عالم بالمسموعات والمبصرات. ووصف تعالى بهما نفسه ليوقف الناس بأنه تعالى
يعلم ما يفعلونه يسمعهم ويراهم ويراقبهم في السِّر والخفاء وسيحاسبهم على كل ما
يفعلونه.
يقول تعالى: «أَن تَبَرُّواْ
وَتَتَّقُواْ وَتُصْلِحُواْ بَيْنَ النَّاسِ وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ »
(42)
ويقول سبحانه: «وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ
وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ »
(43)
ويقول تعالى: «وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ
وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِير»
(44)
ويقول جلّ وعلا: « وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا
إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ »
(45).
2 - القدرة: من صفاته سبحانه وتعالى أنه قادر وأن قدرته
عامة لكل شيء وهو تعالى مختار في فعله إن شاء فعل وإن شاء ترك ففعله تعالى يكون
بإرادته واختياره. وهذا الكون شاهد على عظيم قدرته.
يقول تعالى: « وَكَانَ
اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيراً »
(46)
ويقول سبحانه: « وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ
مُّقْتَدِرًا »
(47)
ويقول أيضاً: « وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِن
شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيراً »
(48).
لأن خالق هذا الكون بما فيه من الكواكب والمجرات
والسماوات والأرض مع هذه الدقة العظيمة والرائعة في الخلق وفي النظام المتناهي في
الدقة والتناسق وكذلك خلق الإنسان وتطوره وتكامله ونشأته، من خلق إلى خلق « فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ »
(49).
واللَّه تعالى لعن اليهود في كتابه لأنهم قالوا بعدم
قدرته تعالى وأن يده مغلولة، قال تعالى: « وَقَالَتِ
الْيَهُودُ يَدُ اللّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُواْ بِمَا
قَالُواْ بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيْفَ يَشَاء »
(50).
3 - الحياة: فهو تعالى الحي القديم الأزلي الأبدي
السرمدي ليس مسبوقاً بعلة ولا يعتريه عدم وفناء، بل هو الأول بلا أول كان قبله،
والاخر بلا اخر يكون بعده.
فاللَّه تعالى حي لأنه قادر وعالم وكل من هو كذلك فإنه
حي وعندما تنتفي القدرة والعلم والشعور لم يعد هناك حياة وقد أثبتنا أن اللَّه
تعالى قادر وعالم فيثبت بذلك أنه حي، يقول تعالى: «
وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ »
(51).
ويقول الحيُّ القيّوم: «
اللّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلاَ
نَوْم »
(52). إلى غير
ذلك من الايات الكريمة.
4 - الإرادة: إنه تعالى مريد أي أنه تعالى يعلم متى يوجد
الفعل على وجه المصلحة باختياره.
والدليل عليه: أن قدرته تعالى عامة لكل شيء ولكنه خصص
بعض الأفعال في أوقات دون أوقات وصفات دون صفات وذلك بإرادته واختياره وإلا لو لم
يكن مريداً ومختاراً لوجدت كلها في وقت واحد.
يقول تعالى: « إِنَّمَا
أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ »
(53).
« يُرِيدُ اللّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ
يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ »
(54).
« وَلَكِنَّ اللّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيد »
(55).
« إِنَّ اللّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيد »
(56).
« إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ »
(57).
هذه بعض
الصفات الثبوتية وبعض الأدلة عليها.
وهي عديدة منها:
1 - أنه تعالى ليس بمركب: وإلا لو كان تعالى مركباً من
أجزاء يكون مفتقراً إلى هذه الأجزاء ومحتاجاً إليها، ولكن اللَّه تعالى هو واحد
أحد غني غير محتاج لا إلى غير ولا إلى أجزائه.
يقول تعالى: «وَاللّهُ
غَنِيٌّ حَلِيمٌ»
(58).
«وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ»
(59).
«فَإِنَّ
الله غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِين»
(60).
«وَّاسْتَغْنَى اللَّهُ وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَمِيدٌ»
(61).
2 - أنه تعالى ليس بجسم: وإلا لو كان تعالى جسماً لافتقر
إلى المكان وقلنا إن اللَّه تعالى غني غير محتاج إلى شيء حتى المكان والزمان. وإن الايات تؤكد بأنه تعالى ليس كمثله شيء، يقول تعالى: «
لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِير »
(62).
3 - أنه تعالى لا يُرى بالأبصار: يستحيل عليه تعالى
الرؤية البصرية لأنه من يُرى بالبصر لا بد أن يكون موجوداً في جهة ومكان فيكون
جسماً ونحن نفينا عنه تعالى الجسمية وكونه محتاجاً إلى شيء.
يقول تعالى: حينما سأله موسى (ع) الرؤية «
قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَن تَرَانِي»
(63).
ويقول تعالى: «لاَّ
تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ
»
(64).
ورد في كتاب التوحيد عن الأصبغ بن نباتة عن أمير
المؤمنين (ع) حينما سأله رجل يُدعى
ذعُلب وقال له يا أمير المؤمنين هل رأيت ربَّك: قال (ع) : ويلك يا ذعُلب لم أكن
بالذي أعبد ربَّاً لم أره، فقال كيف رأيته صفه لنا؟ قال (ع) : ويلك لم تره العيون
بمشاهدة الأبصار، ولكن رأته القلوب بحقائق الإيمان
(65).
4 - ليس بمحتاج : من صفاته تعالى أنه غني وليس بمحتاج
إلى غيره لا في ذاته ولا في صفاته لأنه لو كان محتاجاً إلى غير لم يعد واجباً بل
أصبح ممكناً وقد ذكرنا الايات التي تتحدث عن غناه تعالى في الصفة الأولى التي فيها
«وَاللّهُ غَنِيٌّ حَلِيم»
(66).
وقوله تعالى: « فَإِنَّ الله
غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ »
(67).
الأفول والغروب يدلان على الفقر والاحتياج ووجود مسخِّر
يقول تعالى في قصة النبي إبراهيم (ع) : « وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ
وَالأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ ءفَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ
رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لا أُحِبُّ الافِلِينَ
ءفَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ
لَئِن لَّمْ يَهْدِنِي رَبِّي لأكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ ءفَلَمَّا
رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ
قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ ءإِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ
لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَاْ مِنَ
الْمُشْرِكِينَ »
(68)
هناك تفاسير عديدة لما استدل به النبي إبراهيم (ع) منها: لما كان الهدف من اتخاذ الرب وصول المخلوق إلى الكمال
المطلوب، لذلك ينبغي أن يكون هذا الرب قريباً من مربوبيه عالماً بأحوالهم مطلعاً
على احتياجاتهم، أما ذلك الموجود الذي يختفي في بعض الأوقات ويأفل ويغيب، فهو
حتماً ناقص محتاج إلى من يظهره.
هذه بعض الصفات الثبوتية والسلبية لأنه كما قلنا لا يمكن
إحصاؤها لأن القاعدة تقول إن كل صفة تثبت للَّه تعالى الكمال والجمال هي صفة
ثبوتية وكل صفة تنفي عن اللَّه تعالى نقصاً وحاجة هي صفة سلبية وجلالية.
«وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ
وَالْإِكْرَامِ»
(69).
صفات
اللَّه سبحانه وتعالى تنقسم إلى قسمين: الصفات الثبوتية والصفات السلبية.
الصفات
الثبوتية: هي كل صفة مثبتة لجمال وكمال في الموصوف.
الصفات
السلبية: هي كل صفة تنفي عن الموصوف كل نقص.
الصفات
الثبوتية تنقسم إلى قسمين: الصفات الذاتية والصفات الفعلية.
من الصفات الثبوتية: العلم، القدرة، الحياة، الإرادة.
من الصفات السلبية: أنه تعالى ليس بمركب، ليس بجسم، لا
يُرى بالابصار، ليس بمحتاج.
ورد عن أمير المؤمنين (ع) : «لا يعزب عنه عدد قطر
السماء، ولا نجومها ولا سواقي الريح في الهواء، ولا دبيب النمل على الصفا، ولا
مقيل الذَّر في الليلة الظلماء، يعلم مساقط الأوراق وخفيَّ الأحداق».
1 - إلى كم قسم تنقسم صفات اللَّه تعالى؟
2 - ما هو الفرق بين الصفات الثبوتية والصفات السلبية؟
3 - ما هو الفرق بين الصفات الفعلية والصفات الذاتية؟
4 - عدّد بعض الصفات الثبوتية وبعض الصفات السلبية؟
5 - كيف استدل إبراهيم (ع) على وجود مسخِّر لهذا الكون؟
للمطالعة
صفات اللَّه تعالى
دانيال والسبع الضاري في قعر البئر:
ورد في كتاب حياة القلوب أنه عندما أراد «بخت نصر» أن
يعذب دانيال بأشد العذاب أمر أن يضعوا لبوة (أنثى الأسد) في قعر بئر عميقة وبعد
ذلك أنزلوا دانيال في البئر.
الإنسان الاعتيادي قد يتجمد من الخوف في تلك اللحظة وقد
يموت من الخوف، أما دانيال فقد كان يعلم بأن القدرة التي عند الأسد هي من اللَّه،
فلو كانت معها مشيئة اللَّه فسوف يأكله وإلا فلا.
وقد ذكر في الرواية أن أنثى الأسد كانت تأكل التراب وكان
دانيال ينتفع بحليبها كي لا يموت، لكن الذي نقله المجلسي في حياة القلوب هو أن
اللَّه سبحانه وتعالى أوحى إلى نبي في ذلك الزمان بأن ينقل الطعام إلى دانيال،
وعندما وصل إليه الطعام قال: «الحمد للَّه الذي لا ينسى
من ذكره»
(70).
على كل حال فنتيجة فهم التوحيد... هو أن يحصل لديه توحيد
في مقام الخوف والرجاء، فمم يكون خوفه؟ من ذلك الذي هو مصدر القدرة، فإذا صار كذلك
فسوف لا يخاف من الفقر أيضاً، لأن القادر المطلق إذا أراد أن يسد حاجته فإنه
يستطيع ذلك سواء بالمال أو بغير المال
(71).
اسم الكتاب: المسلك في أصول الدين
ترجمة المؤلف: 1 - اسمه ونسبه: جعفر بن الحسن بن يحيى بن
حسن بن سعيد الهذلي الحلي، أبو القاسم، نجم الدين، المشهور بالمحقق الحلي والمحقق
الأول. ولد عام 602هـ قسم المؤلف كتابه هذا إلى أقسام متعددة أهمها:
النظر الأول: التوحيد ذكر في أثنائه مجموعة من المطالب
منها: إثبات الصانع، صفاته الثبوتية، ما ينفى عنه من الصفات...
النظر الثاني: في أفعاله سبحانه تناول فيه أبحاثاً
متعددة منها: الحسن والقبح، فروع العدل والألطاف والالام والوعد والوعيد...
النظر الثالث: في النبوات ذكر فيه صفات النبي، صدق دعوة
النبي، المعجزات...
النظر الرابع: في الإمامة تناول فيه حقيقة الإمامة، صفات
الإمام، الطريق لتعيين الإمام...
المقدمة:
إن العدل هو صفة من صفات اللَّه تعالى الثبوتية ولكن
أفرد ببحث مستقل لأهميته وكثرة متعلقاته، ويقابل العدل الظلم فاللَّه تعالى عادل
غير ظالم لمخلوقاته لا يفعل قبيحاً ولا يجور في قضائه ولا يحيف في حكمه وإبتلائه
لعباده، يثيب المطيعين وله أن يعاقب العاصين ولا يعاقبهم زيادة على ما يستحقون،
يقول أمير المؤمنين (ع) : «التوحيد أن لا تتوهمه، والعدل
أن لا تتهمه »
(72).
معنى العدل : العدل هو إعطاء كل ذي حق حقه، يقول تعالى: « فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ ءوَمَن
يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ »
(73)
أو هو وضع الأمور في مواضعها، يقول أمير المؤمنين (ع) : «
العدل يضع الأمور مواضعها »
(74).
إن اللَّه سبحانه وتعالى قد أمر عباده بالعدل في اياتٍ
عديدة، والعدل هو من الصفات الحميدة والكمالية، والعقلاء يقبّحون من يترك العدل
ويظلم الناس، ولا يمكن للَّه عزَّ وجلَّ إلا أن يتصف بهذه الصفة لأنها صفة كمال
كما أنه لا يمكن أن يأمر الناس بهذه الصفة الكمالية ولا تكون عنده، مع أنه تعالى
هو الحاوي لكل صفات الكمال على النحو الأتم والأكمل.
يقول تعالى: «إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ
الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُواْ
بِالْعَدْلِ إِنَّ اللّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُم بِهِ إِنَّ اللّهَ كَانَ سَمِيعًا
بَصِيرًا »
(75).
ويقول تعالى: «إِنَّ اللّهَ
يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ
الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْي»
(76).
الظلم ضد العدل، وللظلم دواعٍ ثلاثة إذا انتفت هذه
الدواعي يثبت العدل وهي:
1 - الجهل: من دواعي الظلم الجهل بالظلم والعدل، فإن
القوانين الوضعية التي وضعها الفكر البشري تحتوي على كثير من الظلم لأنها نابعة من
الفكر البشري المحدود. ولو كان هذا العقل البشري عالماً ومدركاً لكل التفاصيل والنتائج
لانتفت كثير من أسباب الظلم، في حين أن اللَّه تعالى عالم حكيم كما تقدم معنا في
الصفات يقول تعالى: «وَاللّهُ عَلِيمٌ حَلِيم»
(77)
ويقول تعالى: «وَأَنَّ اللّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ
عَلِيمٌ »
(78)
وقوله تعالى: « وَمَا يَعْزُبُ عَن رَّبِّكَ مِن
مِّثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلاَ فِي السَّمَاء وَلاَ أَصْغَرَ مِن ذَلِكَ
وَلا أَكْبَرَ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ »
(79).
2 - الخوف: أحياناً يؤدي الخوف إلى الظلم سواء كان الخوف
من الغير على الحكم أو كان الخوف من انهيار الوضع الاقتصادي للشخص مما يدفع
بالأشخاص إلى ظلم الاخرين للحفاظ على أوضاعهم ومراكزهم وغير ذلك وهذا السبب يستحيل
أن يكون في اللَّه تعالى لأنه هو القوي العزيز مالك الملك غلبت جبروته كل شيء
وقدرته غير متناهية، يقول تعالى: «إِنَّ اللَّهَ
قَوِيٌّ عَزِيزٌ»
(80)
«أَنَّ اللّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ »
(81).
3 - الحاجة والحرمان: الإنسان المحتاج الذي ييأس من
تحصيل مطالبه بالطرق المشروعة فإنه قد يلجأ إلى طرق أخرى يظلم فيها نفسه بالمعصية
ويظلم الاخرين بسلب بعض حقوقهم والاعتداء عليهم، وهذا لا يمكن أن يكون في ساحة
اللَّه عزَّ وجلَّ لأنه هو الغني المطلق وعنده خزائن السماوات والأرض يقول تعالى:
«وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ»
(82)،
وقوله تعالى: «إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ
الْعَالَمِينَ»
(83)،
وهذا لا يختص بالحاجة والحرمان المادي بل يشمل الحاجة والحرمان النفسي أيضاً كعقدة
النقص...
معالم عدالة اللَّه تعالى:
إن عدالة اللَّه تعالى تعني:
1 - أن جميع أفعاله تعالى حكمة وصواب وليس فيها ظلم ولا
جور ولا كذب ولا عيب لأنه تعالى منزَّه عن هذه القبائح لعلمه تعالى بها وقدرته
اللامتناهية.
2 - أفعاله تعالى معلَّلة بالأغراض والمصالح لأنه حكيم
والحكيم لا يصدر منه العبث، والعبث من فعل الضعيف، يقول تعالى: «وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاء وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا
لاعِبِينَ»
(84).
3 - أنه تعالى لا يكلف أحداً فوق طاقته:
قال تعالى: «لاَ يُكَلِّفُ
اللّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا »
(85).
«يُرِيدُ اللّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ
يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ»
(86)
«وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ»
(87).
4 - إنه تعالى لا يضل أحداً من عباده: بل هداهم وهم
أضلوا أنفسهم.
حيث يقول تعالى: « وَمَا
ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِن كَانُواْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ»
(88).
أو أنهم أطاعوا كبراءهم ورؤساءهم فأضلوهم عن طريق الحق
وأخذوا بهم إلى طريق الباطل، يقول تعالى: «وَقَالُوا
رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا»
(89).
5 - إنه تعالى يعامل عباده معاملة الممتحن: أي يبلوهم
ليمتحنهم ويثيبهم ويعاقبهم على أساس الاختبار، قال تعالى: «خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ
عَمَلاً»
(90).
6 - اللَّه تعالى لا يعاقب الناس على فعله:
بل يعاقبهم على أفعالهم ولا يلومهم فيما صنعه بهم، فلا
يعاقبهم على الأمور التكوينية كالسواد والبياض والطول والقصر وكل ما هو غير
اختياري لهم، «يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا
خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ
لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمٌ»
(91).
7 - اللَّه تعالى أراد الطاعة من عباده:
إن اللَّه تعالى أراد من عباده الخير والطاعة وأحبها
وكره المعاصي ونبذها.
يقول تعالى: «...اللَّهَ
حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ
الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ ...»
(92).
العدل والظلم في
القران الكريم:
قلنا إن الظلم يقابل العدل وإذا نفينا الظلم عن ساحته
المقدسة نكون قد أثبتنا العدل وهذا ما فعلنا عندما نفينا دواعي الظلم عنه تعالى
ولكن الان ننفي عنه الظلم تعالى من خلال القران الكريم، حيث وردت ايات كثيرة جداً
تنفي عنه تعالى الظلم وتتوعد الظالمين بالعذاب الأليم في الدنيا والاخرة.
يقول تعالى: «إِنَّ اللّهَ
لاَ يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ»
(93).
«مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ
أَسَاء فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيدِ »
(94).
«فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا
يَرَهُ ءوَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ »
(95).
ايات كثيرة من القران الكريم تسند الظلم إلى نفس الإنسان
لأنه أعمى بصره عن الحق وتجاوز حدود اللَّه تعالى فكان ظالماً لنفسه أولاً ثم
للاخرين.
يقول
تعالى: «وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ
نَفْسَهُ»
(96).
«وَمَا ظَلَمَهُمُ اللّهُ وَلَكِنْ
أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ »
(97).
«وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِن كَانُوا هُمُ
الظَّالِمِينَ »
(98).
إن اللَّه تعالى ذمَّ الظالمين في ايات كثيرة وأوعدهم
بأليم العقاب واللَّه تعالى منزَّه عمَّا ذمَّ به خلقه.
يقول تعالى: «وَلاَ
تَحْسَبَنَّ اللّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا
يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الأَبْصَار»
(99).
« إِذِ الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِندَ
رَبِّهِمْ يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ الْقَوْلَ»
(100).
«وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى
يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا »
(101).
«أَلَا إِنَّ الظَّالِمِينَ فِي عَذَابٍ
مُّقِيم»
(102).
إن القران الكريم يحدثنا عن موقف إبليس مع الظالمين يوم
القيامة وكيف يتبرّأ منهم ويكفر بما أشركوا فيه وذلك بعدما أغواهم ووعدهم وركنوا إليه
فأخلفهم وتركهم يواجهون مصيرهم المحتوم بعد أن تركوا اللَّه سبحانه وتعالى الذي
يدعوهم لما يحييهم كما يقول تعالى: «يا أيها الذين
امنوا استجيبوا للَّه وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم»
(103).
«الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ
وَيَأْمُرُكُم بِالْفَحْشَاء وَاللّهُ يَعِدُكُم مَّغْفِرَةً مِّنْهُ وَفَضْلاً
وَاللّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ »
(104).
ويقول تعالى: «وَقَالَ
الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الأَمْرُ إِنَّ اللّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ
وَوَعَدتُّكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُم مِّن سُلْطَانٍ
إِلاَّ أَن دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلاَ تَلُومُونِي وَلُومُواْ
أَنفُسَكُم مَّا أَنَاْ بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي
كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِن قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ
أَلِيمٌ»
(105).
العدل من
الصفات الثبوتية للَّه تعالى ولكن أفرد ببحث مستقل لأهميته وكثرة متعلقاته.
العدل هو
إعطاء كل ذي حق حقه، يقول تعالى: «ومن يعمل مثقال ذرة خيراً يره ومن يعمل مثقال
ذرة شراً يره».
الظلم ضد
العدل ودواعي الظلم ثلاثة: «الجهل، الخوف، الحاجة والحرمان». وهي أمور يستحيل أن
تكون في اللَّه تعالى لأنه كما أثبتنا في الصفات «عالم حكيم وقادر على كل شيء
وغني عن العالمين».
عدالة
اللَّه تعني أن جميع أفعاله حكمة وصواب ومعللة بالأغراض ولا يكلف أحداً فوق طاقته.
يقول تعالى: «إن اللَّه
يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل إن
اللَّه نعما يعظكم به إن اللَّه كان سميعاً بصيراً».
1 - ما معنى العدل؟
2 - ما معنى أن اللَّه تعالى عادل؟
3- عدد
دواعي الظلم؟
4 - ماذا يعني أن أفعاله تعالى حكمة وصواب؟
5 - ما هو موقف إبليس من الظالمين يوم القيامة؟
بهلول وأبو حنيفة
سمع بهلول أبا حنيفة يقول: إن جعفر بن محمد يقول بثلاثة
أشياء لا أرتضيها، يقول: الشيطان يعذب بالنار كيف وهو من النار؟ ويقول: إن اللَّه
لا يُرى ولا تصح عليه الرؤية، وكيف لا تصح الرؤية على موجود؟ ويقول: إن العبد هو
الفاعل لفعله، والنصوص بخلافه. فأخذ البهلول حجراً وضربه به، فأوجعه! فذهب أبو
حنيفة إلى هارون واستحضروا البهلول ووبخوه على ذلك. فقال لأبي حنيفة: أرني الوجع
الذي تدعيه وإلا فأنت كاذب. وأيضاً فأنت من تراب كيف تألمت من تراب؟ ثم ما الذي
أذنبته إليك؟ والفاعل ليس هو العبد، بل اللَّه! فسكت أبو حنيفة وقام خجلاً.
اسم الكتاب: حق اليقين في معرفة أصول الدين
المؤلف: اسمه ونسبه: العلامة الأكبر السيد عبد اللَّه
السيد محمد رضا شبر.
يشتمل الكتاب على عدة أبواب أهمها:
الباب الأول: في الإقرار بوجود الصانع ووحدته وصفاته
الكمالية ونعوته.
الباب الثاني: في العدل والحسن والقبح والحكمة من أفعال
اللَّه تعالى والقضاء والقدر والجبر والتفويض وإثبات الأمر بين الأمرين.
الباب الثالث: في النبوة والإمامة حيث بدأه بالأحكام
المشتركة بين النبي والإمام، الحاجة إلى الرسول والإمام، العصمة صفات الأنبياء
والأئمة والفرق بينهم، المعجزات، طريق معرفة الإمام...
الباب الرابع: في إثبات المعاد وكيفيته: معنى المعاد
الجسماني والروحاني، الايات الدالة على المعاد والشبه الواردة عليه، عالم البرزخ
والقبر...
الخاتمة: ذكر فيها مسائل من قبيل التوبة، الاجال،
الأرزاق، الأسعار والإحباط وحقيقة الإيمان والإسلام.
الدرس الخامس : الجبر والاختيار
قد مرّ في الدرس السابق ( العدل) عند الحديث عن معالم
عدالة اللَّه تعالى، إنه جلَّ وعلا لا يضل أحداً من عباده، ولا يعاقبهم على ما لا
اختيار لهم فيه، هذه المقولات البديهية خالفها جماعة من المسلمين وجوّزوا على
اللَّه تعالى ما لا يليق بعدله وعظمته، حيث وقع الكلام هل أن الإنسان مجبر على
أفعاله أي ليس له إرادة واختيار وأن كل فعل يصدر منه بغير إرادته وإختياره وإنما
هو كالالة تحركه قوة أكبر منه، أم أن الإنسان هو مريد ومختار يفعل بمحض إرادته
وإختياره ولا يجبره أحد على فعله!
من هنا احتاج الأمر إلى إفراد بحث عن الجبر والاختيار
لكي يتوضح الأمر أكثر.
تنص الايات القرانية على أن المشركين كانوا معتقدين
بالجبر وسلب الاختيار، وإليكم فيما يلي ما ذكره القران في هذا المجال:
1 - يقول
تعالى: «سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُواْ لَوْ شَاء
اللّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلاَ ابَاؤُنَا وَلاَ حَرَّمْنَا مِن شَيْء»
(106).
ولكن الذكر الحكيم يرد عليهم تلك المزعمة بقوله:
«كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِم
حَتَّى ذَاقُواْ بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِندَكُم مِّنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا
إِن تَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ أَنتُمْ إَلاَّ تَخْرُصُونَ »
(107).
2 - ويقول تعالى في اية أخرى حاكياً كلام المشركين في
تعليل ارتكابهم الفحشاء بأمر من اللَّه تعالى: «وَإِذَا
فَعَلُواْ فَاحِشَةً قَالُواْ وَجَدْنَا عَلَيْهَا ابَاءنَا وَاللّهُ أَمَرَنَا
بِهَا قُلْ إِنَّ اللّهَ لاَ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاء أَتَقُولُونَ عَلَى اللّهِ
مَا لاَ تَعْلَمُون»
(108).
3 - ويقول تعالى: «وَقَالُوا
لَوْ شَاء الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُم مَّا لَهُم بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ
هُمْ إِلَّا يَخْرُصُون»
(109).
فهذه الايات وغيرها من الايات تبين لنا موقف المشركين من
الجبر الإنساني، المرفوض بصراحة في القران الكريم.
الاعتقاد بالجبر
عند بعض المسلمين:
المؤسف أن بعض المسلمين وقعوا في شبهة الجبر التي وقع
فيها المشركون نظراً إلى التفسير الخاطئ لبعض الايات الكريمة التي تسند الخلق
والفعل للَّه تعالى حيث اعتبروا أن اللَّه تعالى هو الذي يفعل كل الأفعال من دون
اختيار وإرادة للإنسان وكأن الإنسان فقط آلة يتحرّك كيف يشاء اللَّه تعالى كقوله
تعالى: «اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْء»
(110)
« هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ»
(111)
«واللَّه خلقكم وما تعملون»
(112).
ولكن هؤلاء المسلمين لو أمعنوا النظر في كتاب اللَّه
عزَّ وجلَّ لوجدوا ايات كثيرة تدل على إسناد الفعل إلى العباد مما يدل على أن
الإنسان مختار ومريد لأفعاله، يقول تعالى: «فَوَيْلٌ
لِّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ
عِندِ اللّهِ»
(113).
«إِن يَتَّبِعُونَ إِلا الظَّنَّ وَمَا
تَهْوَى الأَنفُس»
(114).
« إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ
حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ »
(115).
هذه الايات الكريمة، واضحة في إسناد الأفعال إلى نفس
الإنسان حيث إنهم يكتبون بإرادتهم واختيارهم ويتبعون الظن وأهواء أنفسهم وأن
التغيير منوط بإرادتهم ويوجد ايات كثيرة تدل على ذلك حتى أنه وللأسف ظهرت فرق من
المسلمين تقول إن الإنسان يفعل بإرادته واستقلاله من دون تعلق لإرادة اللَّه تعالى
في أفعاله أي أن اللَّه فوَّض للإنسان أفعاله على نحو الاستقلال من دون تدخل
للقدرة الإلهية في شيء من أفعاله.
وبالطبع فإن هذه العقيدة أعظم بطلاناً من الأولى لأنها
تجعل الإنسان خالقاً في قبال اللَّه سبحانه وتعالى وكأنه شريك للَّه في خلق
الأفعال واللَّه تعالى يقول في كتابه: « وَمَا
تَشَاؤُونَ إِلا أَن يَشَاء اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ »
(116)
عقيدة الشيعة
بين الجبر والتفويض:
ذهب
الشيعة في عقيدتهم إلى الأمر بين الأمرين كما قال الإمام الصادق (ع) : «لا جبر ولا تفويض بل أمر بين أمرين، سئل (ع) ما الأمر بين الأمرين؟ قال (ع) : مثل ذلك
رجل رأيته على معصية فنهيته فلم ينته فتركته، ففعل تلك المعصية، فليس حيث لم يقبل
منك فتركته أنت الذي أمرته بالمعصية»
(117)
وقال البصري لأبي عبد اللَّه (ع) : الناس مجبورون؟ قال
(ع) : لو كانوا مجبورين لكانوا معذورين، قال: ففوض إليهم؟
قال (ع) : لا، قال: فما هم؟ قال: علم منهم فعلاً فأوجد
فيهم الة الفعل، فإذا فعلوا كانوا مع الفعل مستطيعين»
(118).
تبيَّن أن
عقيدة الشيعة هي لا جبر ولا تفويض ولكن أمر بين أمرين فإن اللَّه تعالى هو خلق
السبيل وخلق الإنسان وأعطاه القدرة والاختيار وكل ذلك متعلق بقدرة اللَّه واختياره
أيضاً ولكن يختار اللَّه لنا ما نختاره لأنفسنا لذلك «إِنَّا
هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا»
(119)
ولذلك صحت المحاسبة.
يقول تعالى: « مَن يَعْمَلْ
سُوءًا يُجْزَ بِهِ»
(120).
ويقول تعالى: «كُلُّ امْرِئٍ
بِمَا كَسَبَ رَهِين»
(121).
ويقول تعالى حاكياً قول الشيطان الرجيم: «وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُم مِّن سُلْطَانٍ إِلاَّ أَن
دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي»
(122).
وكذلك صح الثواب والعقاب.
يقول تعالى: « مَن جَاء
بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَن جَاء بِالسَّيِّئَةِ فَلاَ يُجْزَى
إِلاَّ مِثْلَهَا وَهُمْ لاَ يُظْلَمُون»
(123).
وقوله تعالى:« مَن جَاء
بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِّنْهَا وَهُم مِّن فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ امِنُونَ»
(124).
وقوله تعالى: «مَنْ عَمِلَ
صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً
طَيِّبَة»
(125).
وأيضاً مما يدل على ذلك الايات التي تعلِّق أفعال العباد
على مشيئتهم كقوله تعالى: «فَمَن شَاء فَلْيُؤْمِن
وَمَن شَاء فَلْيَكْفُرْ»
(126)
«فَمَن شَاء اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلا»
(127).
ومما يؤيد
ذلك أيضاً الايات التي تأمر الناس بالعمل وإلا لولا وجود الاختيار لكان الأمر
عبثاً ولغواً تعالى اللَّه عن ذلك علوَّاً كبيراً.
كقوله تعالى: «وَسَارِعُواْ
إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ
أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ»
(128).
وقوله عزَّ وجلَّ: «وَقُلِ
اعْمَلُواْ فَسَيَرَى اللّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ»
(129).
إن عقيدة الجبر التي ظهرت عند بعض الفرق الإسلامية إنما
وراؤها غاية سياسية استغلَّها الحكام للوصول إلى ماربهم الشخصية والسلطوية وكذلك
لتبرير أفعالهم وانتهاكاتهم. يقول الشهيد مطهري ء: «يشير
التاريخ إلى أن مسألة القضاء والقدر كانت مستمسكاً صلباً وقوياً لحكام بني أمية
الذين كانوا من المؤيدين الأشداء لمسلك الجبر، وكانوا يقتلون المؤيدين للاختيار
والحرية البشرية بتهمة أنهم من المعارضين للمعتقدات الدينية أو كانوا يرمونهم في
السجون حتى عرف في ذلك الوقت أن الجبر والتشبيه أمويان والعدل والتوحيد علويان»
(130).
ويقول أبو هلال العسكري: «إن
معاوية أول من زعم أن اللَّه يريد أفعال العباد كلها»
(131).
ويقول ابن قتيبة: «وإن أمر
يزيد قد كان قضاء من القضاء وليس للعباد خيرة من أمرهم»
(132).
وجرى على هذه السياسة سائر الخلفاء الأمويين وتبعهم
العباسيون.
السر في انتهاج هذه السياسة هو:
1 - سلب إرادة واختيار الناس واجبارهم على الانصياع
للسلطة.
2 - إظهار إرادة الحكام الظالمين على أنها إرادة اللَّه
تعالى ليبرروا ظلمهم وجرائمهم أمام الناس وساعدهم على ذلك علماء السوء ووعَّاظ السلاطين.
تنص
الايات القرانية على أن المشركين كانوا معتقدين بالجبر وسلب الاختيار، وردَّ
القران الكريم على مزاعمهم، يقول تعالى: « سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُواْ لَوْ
شَاء اللّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلاَ ابَاؤُنَا وَلاَ حَرَّمْنَا مِن شَيْء » ويقول
تعالى: « كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِم
حَتَّى ذَاقُواْ بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِندَكُم مِّنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا
إِن تَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ أَنتُمْ إَلاَّ تَخْرُصُون ».
المؤسف أن
بعض المسلمين وقعوا في شبهة الجبر التي وقع فيها المشركون نظراً إلى التفسير
الخاطئ لبعض الآيات الكريمة التي تسند الخلق والفعل إلى اللَّه تعالى.
هؤلاء
المسلمون لو أمعنوا النظر في كتاب اللَّه تعالى لوجدوا ايات كثيرة تدل على إسناد
الفعل إلى العباد أيضاً.
ذهب
الشيعة في عقيدتهم إلى الأمر بين الأمرين.
قال الإمام الصادق (ع) : لا جبر ولا تفويض بل أمر بين
أمرين، سُئِل (ع) ما الأمر بين
الأمرين؟ قال (ع) : مثل ذلك رجل رأيته على معصية فنهيته فلم ينته فتركته، ففعل تلك
المعصية، فليس حيث لم يقبل منك فتركته أنت الذي أمرته بالمعصية.
1 - ما معنى أن الإنسان مجبر على أفعاله؟
2 - لماذا وقع بعض المسلمين في شبهة الجبر؟
3 - ما هي عقيدة الشيعة في الجبر والتفويض؟
4 - اذكر بعض الايات التي تدل على اختيار الإنسان؟
5 - اذكر العلاقة بين عقيدة الجبر والسياسة؟
التكليف بأقل من الطاقة:
لو صلى جميع البشر وصاموا لما زادوا في ملك اللَّه
شيئاً، ولو أنهم ارتكبوا المعاصي بأجمعهم لما نقضوا من ملك اللَّه شيئاً فكل نفع
أو ضرر يعود على الإنسان نفسه.
ومع أن الأمر والنهي من أجل مصلحة الإنسان إلا أنه قد
روعي فيها جانب العدل أي أنها بمقدار قدرة الإنسان وطاقته بل أقل من ذلك. ونقرأ في
دعاء العديلة.
(لم يكلف الطاعة إلا دون الوسع والطاقة ) فمع أن الإنسان
قادر على أكثر من هذا إلا أن التكاليف وردت بأقل من ذلك وكمثال على ذلك لاحظوا هذه
الصلاة اليومية وهي سبع عشرة ركعة فما أسهلها على الإنسان وبإمكانه أن يطيل فيها
أو يختصرها، فلو أن اللَّه تبارك وتعالى أوجب عليه مائة ركعة لكان قادراً على
الإتيان بها إلا أن لطف اللَّه اقتضى أن تكون التكاليف سهلة وخفيفة كمّاً وكيفاً.
وقد وردت في الروايات أن الإمام (ع) نهى عن نذر تكاليف بأن يوجب الإنسان على
نفسه صلاة بواسطة النذر لأنه قد صعب على نفسه ما سهله اللَّه له.
لقد جعل صلاة الليل مستحبة حتى لا يشق ذلك على أحد مع أن
الفائدة منها كبيرة جداً فكل إنسان يصل إلى أي مقام معنوي فهو ببركة صلاة الليل،
وفي بداية الإسلام كان من الواجبات أن يقضي المسلم قسماً من الليل بالعبادة ولكن
اللَّه عزَّ وجلَّ سهله بعد ذلك للمشقة والعسر على بعض الناس كالمريض والمسافر
ورفع ذلك الوجوب ليكون سهلاً على الجميع.
إذن فقد روعي في التكاليف جانب العدل. (التوحيد والعدل
للشهيد دستغيب، ص94).
اسم الكتاب: عقائد الإمامية
المؤلف: اسمه ونسبه: الشيخ محمد رضا بن محمد بن عبد
اللَّه المظفر
منهج الكتاب: يقول الشيخ المظفر عن كتابه هذا: أمليت هذه
(المعتقدات)، وما كان القصد منها إلاّ تسجيل خلاصة ما توصَّلت إليه من فهم
المعتقدات الإسلامية على طريقة ال البيت (عليهم السلام) سجلت هذه الخلاصات مجرّدة عن الدليل والبرهان، ومجردة عن
النصوص الواردة عن الأئمة فيها على الأكثر؛ لينتفع بها المبتدئ والمتعلّم والعالم،
وأسميتها «عقائد الشيعة» وغرضي من الشيعة الإمامية الإثني عشرية خاصة.
استعراض الأفكار الأساسية والأفكار الفرعية المهمة:
المقدمة في الاجتهاد والتقليد.
الفصل الأول
الإلهيات .
الفصل الثاني
النبوة .
الفصل الثالث
الإمامة .
الفصل الرابع
ما أدب به ال البيت شيعتهم .
الفصل الخامس
المعاد .
الدرس السادس : فلسفة الشرور والآفات
من المسائل المتعلقة بمبحث العدل مسألة (الشرور والافات)
والتي كانت محل تساؤل منذ القدم وهي أنه تعالى إذا كان عادلاً لا يظلم مثقال ذرة،
فلماذا وجدت البلاءات والمصائب والافات التي ظاهرها الشَّر في العالم؟ لماذا
الاختلاف في الخلق، شخص جميل واخر قبيح أو طويل وقصير والبعض فقراء والبعض أغنياء
وغير ذلك مما يتراءى لنا أنه نقص وعيب وشرٌّ وما إلى ذلك؟
ونجيب على هذه المسائل بذكر الايات التي تبيّن فلسفة
الشرور والافات:
إن الإنسان باعتبار ضعفه وجهله قد يتوهم ما غايته خير
شراً وما نهايته شر خيراً، فينظر إلى ظواهر الأمور وبداياتها ولا ينظر إلى عمقها
ونهاياتها وهذا ما يشير إليه قوله تعالى: «كُتِبَ
عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئًا
وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تُحِبُّواْ شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ
وَاللّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُون »
(133).
فما يراه الإنسان أو ما يشعر به ليس هو دائماً المعيار
الحقيقي لفهم المصلحة الحقيقية للفرد والمجتمع، فرب شيء نحبه وفيه شر كثير على
صعيد الفرد أو المجتمع أو الأمة، وكذلك رب شيء نكرهه وفيه المصلحة الكبرى للفرد
أو الأمة واللَّه تعالى هو المحيط بخفايا الأمور ولا يستطيع البشر مهما بلغ وعيهم
وفطنتهم إلا أن يفهموا جانباً من تلك الخفايا والمصالح البعيدة في الأحكام، فعلى
المؤمن أن يعتقد أن كل الأحكام الصادرة من اللَّه تعالى هي لصالحه، تشريعية كانت
كالصلاة والصوم والجهاد والزكاة، أم تكوينية كالموت والبلاءات والاختلاف في الخلقة
والألوان، ويجب أن يصل إلى مرحلة التسليم للَّه تعالى حيث يقول: « ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا
قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا »
(134)
لأن ما توصل إليه الإنسان من العلوم والاكتشافات لأسرار هذا الكون إنما هو النزر
اليسير يقول تعالى: «وَمَا أُوتِيتُم مِّن الْعِلْمِ
إِلاَّ قَلِيلاً »
(135).
ويؤكد القران الكريم هذه المسألة في قوله تعالى: «وَلَئِن قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ أَوْ مُتُّمْ
لَمَغْفِرَةٌ مِّنَ اللّهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ »
(136).
فإن الكثير من الالام هي في واقعها خير والإنسان أخطأ عندما
اعتبرها شراً، فملاك وحقيقة الخيرية وعدمها ليس بموافقتها للرغبات.
وذكر القران الكريم صورة أخرى معاكسة وهي أن الشيء قد
يكون بالنظر السطحي خيراً ولكنه في الواقع شر وبلاء وفتنة وسبب لسوء العاقبة، يقول
تعالى: « وَلاَ يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ
بِمَا اتَاهُمُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَّهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ
لَّهُمْ»
(137).
ويقول تعالى: «وَلاَ
يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِّأَنفُسِهِمْ
إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُواْ إِثْمًا وَلَهْمُ عَذَابٌ مُّهِينٌ »
(138).
أساس
المصائب:
إنَّ المصائب الفردية والاجتماعية التي تصيب البشر هي
وليدة سوء الاستفادة من الحرية والاختيار، يقول تعالى: «وَمَا
أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ »
(139).
ويقول تعالى: «مَّا أَصَابَكَ
مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَّفْسِك»
(140).
ولو اتبع أهل الدنيا القوانين الإلهية لاختزلوا في
حياتهم كثيراً من الالام والبلاءات لذلك يقول تعالى:«
وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى امَنُواْ وَاتَّقَواْ لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم
بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاء وَالأَرْضِ وَلَكِن كَذَّبُواْ فَأَخَذْنَاهُم بِمَا
كَانُواْ يَكْسِبُونَ»
(141).
فاستفادة الإنسان من حريته بشكل سيِّئ نتيجتها الحتمية
ستكون سيئة بالنسبة له أيضاً.
يقول تعالى: «ظهر الفساد في
البر والبحر بما كسبت أيدي الناس ليذيقهم بعض الذي عملوا لعلهم يرجعون»
(142).
هذا النوع من المصائب يعتبر في نظر القران الكريم عقاباً
على كفرهم وفسادهم وانحرافهم كالطوفان الذي أخذ قوم نوح، والتيه الذي وقع فيه بنو
إسرائيل عندما اتخذوا العجل إلهاً، أو العذاب الذي أصاب قوم إبراهيم ولوط؛، وكذلك
عذاب عاد وثمود وقارون وفرعون وهامان وغيرهم.
يقول تعالى: «فَكُلاً
أَخَذْنَا بِذَنبِهِ فَمِنْهُم مَّنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُم
مَّنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُم مَّنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُم
مَّنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِن كَانُوا
أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ»
(143).
وجزاء اللَّه سبحانه وتعالى وعقابه قد يكون عاجلاً وقد
يكون اجلاً، وجعل لكل أمة موعداً يقول تعالى: «وَتِلْكَ
الْقُرَى أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِم مَّوْعِدًا»
(144)
واللَّه تعالى يستدرجهم ويمهلهم ليزدادوا إثماً حيث يقول تعالى: «وَلاَ يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ أَنَّمَا نُمْلِي
لَهُمْ خَيْرٌ لِّأَنفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُواْ إِثْمًا
وَلَهْمُ عَذَابٌ مُّهِينٌ »
(145).
ولكن فرحهم لن يدوم طويلاً وسيأتيهم العذاب بغتة لتبقى الحسرة في قلوبهم «حَتَّى إِذَا
فَرِحُواْ بِمَا أُوتُواْ أَخَذْنَاهُم بَغْتَة »
(146).
البلاء هو امتحان واختبار:
الدنيا هي دار ممر وامتحان وبلاء واللَّه تعالى يختبر
فيها الناس بالخير وبالشر ليجزي الصابرين والعاملين، يقول تعالى: «وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَة»
(147)
ويقول تعالى: «أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن
يَقُولُوا امَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ ءوَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن
قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ
الْكَاذِبِينَ »
(148).
وفي حديث
أن أمير المؤمنين (ع) مرض،
فعاده قوم فقالوا: كيف أصبحت يا أمير المؤمنين؟
قال (ع) : أصبحت بشرّ.
قالوا: سبحان اللَّه هذا كلام مثلك؟!
فقال (ع) : يقول تعالى «وَنَبْلُوكُم
بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُون»
(149)
فالخير الصحة والغنى، والشر المرض والفقر ابتلاءاً
واختباراً
(150).
قد يكون ابتلاء المؤمن للتأديب والتذكر دائماً، لما في
البلاءات من العبر والمواعظ، يقول الإمام الصادق (ع) : «ما
من مؤمن إلا وهو يذكَّر في كل أربعين يوماً ببلاء، إما في ماله أو في ولده أو في
نفسه فيؤجر عليه، أو همٌّ لا يدري من أين هو»
(151).
وقد يكون بلاء المؤمن تطهيراً لذنوبه، يقول الإمام
الكاظم (ع) : « للَّه في السراء نعمة التفضّل وفي
الضراء نعمة التطهّر »
(152)
وعن رسول اللَّه (ص): «السُّقم يمحو الذنوب»
(153).
ويقول أيضاً (ص) :
«ما يصيب المؤمن من وصب ولا نصب ولا
سقم ولا أذى ولا هم حتى الهم يهمّه إلا كفّر اللَّه به خطاياه»
(154).
مسألة
الشرور والافات، لماذا وجدت، وهل هي موافقة لعدالة اللَّه تعالى، مسألة قد طرحت
منذ القدم.
الإنسان
لضعفه وجهله قد يتوهم ما غايته خير شراً وما نهايته شر خيراً، فينظر إلى ظواهر
الأمور.
ما يراه
الإنسان أو ما يشعر به ليس هو دائماً المعيار الحقيقي لفهم المصلحة الحقيقية.
إن
المصائب الفردية والاجتماعية التي تصيب البشر هي وليدة سوء الاستفادة من الحرية
والاختيار.
جزاء
اللَّه تعالى وعقابه قد يكون عاجلاً وقد يكون اجلاً وجعل لكل أمة موعداً.
اللَّه
تعالى يبتلي المؤمنين ليختبرهم بالخير والشر وليجزي الصالحين والصابرين.
في حديث أن أمير المؤمنين (ع) : مرض فعاده قوم فقالوا:
كيف أصبحت يا أمير المؤمنين؟
قال (ع) : أصبحت بشرّ.
قالوا: سبحان اللَّه هذا كلام مثلك؟!
قال (ع) : يقول تعالى «وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ
وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُون» فالخير الصحة والغنى، والشر المرض
والفقر ابتلاءاً واختباراً.
1 - لماذا يتوهم الإنسان الخير والشر؟
2 - ما هو المعيار الحقيقي للخير والشر؟
3 - من أين تأتي أكثر المصائب الفردية والاجتماعية؟
4 - لماذا يصاب الكافرون بالمصائب؟
5 - لماذا يصاب المؤمنون بالمصائب والبلاءات؟
فلسفة الشرور والافات
البلاء للأولياء:
إن اللَّه إذا خصّ عبداً من عباده بلطف منه فهو يجعله
عُرضة للشدائد. والجملة المشهورة «البلاء للولاء» تبيّن هذا الموضوع.
وقد جاء في حديث عن الإمام الباقر (ع) : «إن اللَّه عزَّ وجلَّ ليتعاهد المؤمن بالبلاء كما يتعاهد
الرجل أهله بالهدية من الغيبة»
(155).
وجاء في حديث اخر عن الإمام الصادق (ع) : «إن اللَّه إذا أحب عبداً غتّه بالبلاء غتّاً»
(156).
فكما أن مربي السباحة حين يأتيه من يحب تعلمها فهو يحمله
على المحاولة وبذل الجهد ليصبح مروّضاً ومتعلماً للسباحة، فاللَّه سبحانه حين يحب
عبداً ويريد أن يوصله إلى كماله فإنه يغرقه في البلاء. ولو قرأ الإنسان كتاباً عن
السباحة دون نزوله إلى الماء لا يمسي سباحاً، ولكنه يتعلم السباحة عندما يجد طريقه
إلى الماء ويجرّب الصراع ضد الغرق وأحياناً يواجه خطر الغرق عندما يتحرك بعيداً عن
الشاطئ.
فلا بد أن يرى الإنسان في دنياه الشدائد حتى يتعلم طريق
التخلص منها، ولا بد أن يواجه الصعوبات حتى ينضج ويتكامل.
وكتب بعضهم عن لون من الطيور أنه عندما يبزغ الريش على
جناح طفله الوليد ولكي يعلمه الطيران فهو يخرجه من الوكر إلى الفضاء الطلق ويخلي
سبيله هناك، فيضطر الحيوان الصغير لحركات غير منظمة ويضرب بجناحه حتى يصاب بالتعب
ويوشك على السقوط وعندئذ تقترب الأم الحنون منه وتمسك به وتحمله على ظهرها لترفع
عنه النصب، وعندما ترى الراحة قد عادت إليه تطلقه في الفضاء وتجبره على المحاولة
حتى يصاب بالتعب مرة أخرى فتمسكه وتكرر هذا العمل مرات ومرات حتى يخرج الطفل وقد
تعلم الطيران.
اسم الكتاب: العدل الإلهي
المؤلف: آية اللَّه الشهيد الشيخ مرتضى المطهري (قده)
استعراض الأفكار الأساسية والأفكار الفرعية المهمة:
ذكر الشهيد مطهري في الكتاب أبحاثاً تتعلق بالعدل الإلهي
والمناهج الموجودة بين المسلمين في هذه المسألة وتعرض للأسباب الحقيقية التي تؤدي
إلى وجود الشر أو النقص وبالتالي طرق المعالجة التي اعتمدتها الفرق الإسلامية.
أبواب الكتاب ومطالبه: يشتمل الكتاب على عدة فصول.
المقدمة في طرح الموضوع:
1 - الفصل الأول في طرح مسألة العدل الإلهي.
2 - الفصل الثاني في حل العقدة كما جاء في الفرق
الإسلامية
3 - الفصل الثالث في الشرور.
4 - الفصل الرابع في فوائد الشرور.
5 - الفصل الخامس في الموت والفناء.
6 - الفصل السادس في الجزاء الأخروي.
7 - الفصل السابع في الشفاعة.
8 - الفصل الثامن في عمل الخير من غير المسلم.
اللَّه سبحانه وتعالى عليم حكيم خلق الخلق لحكمة ومصلحة
وهدف، يقول تعالى: « أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا
خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ»
(157).
ويقول تعالى: « وَمَا
خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لاعِبِينَ * مَا
خَلَقْنَاهُمَا إِلا بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ »
(158)
فكل شيء خلق لغاية، والغاية أوضحها اللَّه تعالى في كتابه الكريم حيث يقول: «وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلا لِيَعْبُدُون»
(159).
فالعبادة والمعرفة هما الغاية من خلق الإنسان كما ورد في
الحديث القدسي أيضاً «كنت كنزاً مخفياً فأحببت أن أعرف
فخلقت الخلق لكي أعرف»
(160).
العبادة تعني الخضوع والطاعة والانقياد للخالق بما يأمر
وبما ينهى ولكن لكي تتحقق هذه العبادة والطاعة على الوجه الصحيح والمرضي من قبل
الخالق لا بد أن تكون عن معرفة ودراية وإلا وقعت باطلة وغير صحيحة لأن الإنسان لا
يستطيع أن يسلك الطريق الصحيح بدون دليل يدله عليه.
إن تحقيق الغاية من الخلق وهي المعرفة والعبادة
يتوقف على تعيين واسطة بين الخالق وبين المخلوقين يهديهم إلى الرشاد
ويعلمهم طرق العبادة والطاعة.
يقول تعالى: «وَمَا كَانَ
لِبَشَرٍ أَن يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلا وَحْيًا أَوْ مِن وَرَاء حِجَابٍ أَوْ
يُرْسِلَ رَسُولا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاء إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ»
(161)
وهنا يأتي دور النبوة.
إن تاريخ الإنسان بنظر القران الكريم مترافق مع تاريخ
الوحي والنبوة، فلقد كان الوحي موجوداً كبرنامج تكامل للإنسان منذ ظهور الإنسان
على الأرض، يقول تعالى: «وَإِن مِّنْ أُمَّةٍ إِلا خلا
فِيهَا نَذِيرٌ »
(162)
إلى غير ذلك من الايات التي تؤكد هذه الحقيقة.
ويقول أمير المؤمنين (ع) في هذا السياق في نهج البلاغة: «ولم
يخل اللَّه سبحانه خلقه من نبي مرسل أو كتاب منزل أو حجة بالغة أو محجة قائمة»
(163).
لا يكفي الاعتقاد بنبوة نبيٍ واحد أو بعض الأنبياء
(عليهم السلام) بل لا بد وأن يعتقد
الإنسان بنبوة جميع الأنبياء لأنهم جميعاً أنبياء مرسلون من قبل اللَّه تعالى وكل
نبي جاء مصدقاً لكلام النبي الذي قبله، يقول تعالى: «إِنَّا
أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِن بَعْدِهِ
وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإْسْحَقَ وَيَعْقُوبَ
وَالأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَاتَيْنَا
دَاوُودَ زَبُورًا»
(164).
ويقول تعالى: «قُولُواْ
امَنَّا بِاللّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ
وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ وَالأسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى
وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمْ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ
مِّنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُون»
(165).
ويقول تعالى في ذم أولئك الذين يؤمنون ببعضهم فقط: «إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللّهِ وَرُسُلِهِ
وَيُرِيدُونَ أَن يُفَرِّقُواْ بَيْنَ اللّهِ وَرُسُلِهِ وَيقُولُونَ نُؤْمِنُ
بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَن يَتَّخِذُواْ بَيْنَ ذَلِكَ
سَبِيلاً * أُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ
عَذَابًا مُّهِينًا»
(166).
هناك فوائد كثيرة من بعثة الأنبياء بالإضافة إلى تعريف
الناس وهدايتهم إلى طريق تكاملهم، أهمها:
1 - يوجد كثير من المعارف المهمة في حياة الإنسان قد
يجهلها أو يغفل عنها وهذه المعارف بيَّنها الأنبياء للناس لتذكيرهم الدائم، لذلك
ورد في القران الكريم صفة المذكِّر والذكر والذكرى والتذكرة.
يقول تعالى: «فَذَكِّرْ
إِنَّمَا أَنتَ مُذَكِّر»
(167).
ويقول تعالى: « أُوْلَئِكَ
الَّذِينَ هَدَى اللّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ قُل لاَّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ
أَجْرًا إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرَى لِلْعَالَمِينَ»
(168).
ويقول تعالى: «طه * مَا
أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْانَ لِتَشْقَى * إِلَّا تَذْكِرَةً لِّمَن يَخْشَى »
(169).
ويقول أمير المؤمنين (ع) في نهج البلاغة: « فبعث فيهم رسله
وواتر إليهم أنبياءه ليستأدوهم ميثاق فطرته ويذكروهم منسي نعمته، ويحتجوا عليهم
بالتبليغ، ويثيروا لهم دفائن العقول »
(170).
2 - إن وجود النبي بين الناس له تأثير كبير في تربية
الأشخاص باعتبار أن الأنبياء وصلوا إلى أعلى مراتب الكمال فكانوا القدوة الحقيقية
ليقتدي بهم الناس ويتأسوا بأفعالهم فيقومون بتربية الناس وتزكيتهم روحياً.
يقول تعالى: « قَدْ كَانَتْ
لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَه »
(171).
ويقول تعالى: « لَقَدْ كَانَ
لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ »
(172).
3 - من فوائد وجود الأنبياء ممارسة القيادة السياسية
والدينية والاجتماعية وفض الخلافات والمعضلات والاضطرابات الاجتماعية بين الناس،
يقول تعالى: «كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً
فَبَعَثَ اللّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمُ
الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُواْ فِيه»
(173).
إن القران الكريم لم يحدد دوراً خاصاً للأنبياء (عليهم
السلام) بل إن دورهم مرتبط بكل ما
تحتاجه الأمة في حياتها على الصعيد الروحي والعلمي وعلى الصعيد الاجتماعي من وضع
قوانين تنظم حياة الناس وتهديهم إلى السعادة الحقيقية والكمال الإنساني، وكذلك
يبينون لهم الأحكام ويحذرونهم من الوقوع في المعاصي ومخالفة اللَّه تعالى وهذه بعض
أدوارهم (عليهم السلام) التي وردت
في القران الكريم.
- التعليم : يقول تعالى: «كَمَا
أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولاً مِّنكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ ايَاتِنَا
وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُم مَّا
لَمْ تَكُونُواْ تَعْلَمُونَ»
(174).
التبشير
والانذار: يقول تعالى: «وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ
إِلاَّ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِين»
(175).
- الدعوة لعبادة اللَّه تعالى: يقول تعالى: «وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولاً أَنِ
اعْبُدُواْ اللّهَ وَاجْتَنِبُواْ الطَّاغُوتَ»
(176).
إخراج
الناس من الظلمات إلى النور:
يقول تعالى: «وَلَقَدْ
أَرْسَلْنَا مُوسَى بِايَاتِنَا أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى
النُّورِ وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللّهِ»
(177).
- الشهادة على أعمال العباد: يقول تعالى: « إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا»
(178).
إبلاغ
الرسالة للناس: يقول تعالى: «مَّا عَلَى الرَّسُولِ
إِلاَّ الْبَلاَغُ»
(179).
- الحكم بين الناس: يقول تعالى: «فَبَعَثَ اللّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ
مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُواْ
فِيهِ»
(180).
- الأسوة الحسنة:
يقول تعالى: «لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ
اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ»
(181).
صفات الأنبياء (عليهم السلام) :
أخطر المناصب وأكبرها مسؤولية قيادة المجتمع البشري
وهدايته إلى السعادة والكمال، فإن المتصدي لهذه المسؤولية الكبرى عليه أن يتمتع
بصفات وامتيازات خاصة، كالمعرفة التامة بإدارة الشؤون الاقتصادية والسياسية
والعسكرية والاجتماعية والتربوية، بالإضافة إلى الاتصاف بالفضائل النفسية والروحية
والأخلاقية لذلك نرى القران الكريم يركز على هذه الناحية لأهميتها على صعيد
التبليغ حيث يخاطب اللَّه سبحانه وتعالى نبيه الكريم بقوله: «فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ
فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ»
(182)،
ولذلك خاطبه اللَّه تعالى وأثنى عليه بقوله: «وَإِنَّكَ
لَعَلى خُلُقٍ عَظِيم»
(183).
هذا بالإضافة إلى الصفة الأهم والأبرز والتي لها ارتباط
وثيق بالتبليغ والهداية وهي صفة العصمة ونتحدث عنها باختصار.
- العصمة:
الواسطة بين اللَّه وعباده أي النبي يجب أن يكون
معصوماً، بمعنى أنه يجب أن يتمتع بملكة نفسية قوية تمنعه من ارتكاب المعصية حتى في
أشد الظروف، وتنبع هذه الملكة من الوعي التام بقبح المعصية والإرادة القوية لضبط
الميول النفسية، وهذه تتحقق بالعناية الإلهية الخاصة.
هناك العديد من الأدلة منها:
أنه لو لم يكن النبي معصوماً لكان محل انكار ومورد عتاب
كما في قوله تعالى: «أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ
وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ»
(184)
وأيضاً قوله تعالى: «لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا
تَفْعَلُون كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ»
(185)فمن
الطبيعي أن يكون النبي معصوماً يأتمر بما يأمر وينتهي عمَّا ينهى حتى لا يُنكر
عليه من أحد وحتى يحصل الوثوق به وبتبليغه ويُعتمد عليه في إخراج الناس من الظلمات
إلى النور.
1 - العصمة من الذنوب: الأنبياء معصومون من ارتكاب
الذنوب صغيرها وكبيرها لأنه لو كان مرتكباً للذنوب لأصبح ظالماً إما لنفسه أو
لغيره وهو خلاف العصمة التي جُعلت شرطاً في الإمامة كما ذكرنا في قوله تعالى
لإبراهيم (ع) : «لا ينال عهدي الظالمين».
2 - العصمة عن الخطأ والاشتباه: لأن النبي لو اشتبه
وأخطأ يكون خلاف كونه هادياً حيث يحتمل الاشتباه حينها في كل قول وتبليغ وحكم وهذا
نقض للغرض الذي أرسل الأنبياء لأجله لأنهم (عليهم السلام) بعثوا هداة مهديين كما يقول تعالى: «وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا»
(186).
ويقول أيضاً: «أُوْلَئِكَ
الَّذِينَ هَدَى اللّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِه»
(187).
ويقول سبحانه وتعالى بحق رسوله الكريم: «وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى ءإِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ
يُوحَى»
(188).
إن العصمة لا تعني أن الإنسان مجبور على العمل بمقتضاها
بل أن صاحبها لا يمكن أن يختار المعصية وأن يقع فيها لعلمه بحقيقة الذنب واثاره،
وقوة العلم توجب قوة الإرادة، فلا تتعلق إرادته حينئذٍ إلا بالطاعات.
العبادة
والمعرفة هما الغاية من خلق الإنسان كما ورد في الحديث القدسي «كنت كنزاً مخفياً
فأحببت أن أعرف فخلقت الخلق لكي أعرف».
تحقق هذه
الغاية يتوقف على تعيين واسطة بين الخالق وبين المخلوقين يهديهم إلى الرشاد
ويعلمهم طرق العبادة والطاعة، ولا يكفي الاعتقاد بنبوة نبي واحد أو بعض الأنبياء
بل لا بد أن يعتقد الإنسان بنبوة جميع الأنبياء.
هناك
فوائد كثيرة من بعثة الأنبياء بالإضافة إلى تعريف الناس وهدايتهم إلى طريق تكاملهم
منها:
1 - تبيين كثير من المعارف التي يجهلها الإنسان.
2 - وجود النبي له أثر كبير في تربية الناس.
3 - ممارسة القيادة السياسية والدينية والاجتماعية.
المتصدي
لمقام النبوة عليه أن يتمتع بصفات وامتيازات خاصة كالمعرفة التامة والفضائل الحسنة
والعصمة.
ورد عن أمير المؤمنين (ع) : «فبعث فيهم رسله وواتر إليهم
أنبياءه ليستأدوهم ميثاق فطرته ويذكروهم منسيّ نعمته ويحتجوا عليهم بالتبليغ،
ويثيروا فيهم دفائن العقول».
1 - ما هي الغاية من خلق الإنسان؟
2 - لماذا أرسل اللَّه تعالى الأنبياء؟
3 - هل يكفي الاعتقاد بنبوة نبي واحد أو بعض الأنبياء
فقط؟ ولماذا؟
4 - أذكر بعض فوائد بعثة الأنبياء؟
5 - ما هو الدليل على عصمة الأنبياء؟
الأنبياء
الكافي الشيخ
الكليني، ج1، ص168:
عن الإمام الصادق (ع) أنه قال للزنديق الذي سأله من أين أثبت الأنبياء والرسل؟ قال:
إنه لما أثبتنا أن لنا خالقاً صانعاً متعالياً عنا وعن جميع ما خلق، وكان ذلك
الصانع حكيماً متعالياً لم يجز أن يشاهده خلقه، ولا يلامسوه، فيباشرهم ويباشروه،
ويحاجهم ويحاجوه، ثبت أن له سفراء في خلقه، يعبرون عنه إلى خلقه وعباده، ويدلونهم
على مصالحهم ومنافعهم وما به بقاؤهم وفي تركه فناؤهم، فثبت الامرون والناهون عن
الحكيم العليم في خلقه والمعبرون عنه جلّ وعزّ، وهم الأنبياء (عليهم السلام) وصفوته من خلقه، حكماء مؤدبين بالحكمة،
مبعوثين بها، غير مشاركين للناس على
مشاركتهم لهم في الخلق والتركيب في
شيء من أحوالهم مؤيدين من عند الحكيم العليم بالحكمة، ثم ثبت ذلك في كل دهر وزمان
مما أتت به الرسل والأنبياء من الدلائل والبراهين، لكيلا تخلو أرض اللَّه من حجة
يكون معه علم يدل على صدق مقالته وجواز عدالته.
لب الأثر في الجبر والقدر: محاضرات الإمام الخميني (قده)
هذا الكتاب هو تقرير لمحاضرات اية اللَّه العظمى السيد
الإمام الخميني طيب اللَّه
ثراه يتناول عرض مناهج الجبر
والاختيار بقلم العلامة المحقق جعفر السبحاني الذي تناول هذه المسائل بالشرح
والتوضيح والنقد بالإضافة لذكره للأقوال الموجودة في المسألة.
منهج الكتاب: كلامي استدلالي.
المحتويات: كلمة المؤلف المسائل المهمة في حياة الإنسان مناهج الجبر الثلاثة
مناهج التفويض.
الفصل الأول في مناهج الجبر: الجبر الأشعري.
الفصل الثاني في مناهج الاختيار: الاختيار المعتزلي
(التفويض).
الفصل الثالث شبهات وحلول.
الشبهة الأولى: الهداية والضلالة بيد اللَّه الهداية العامة الهداية الخاصة الضلالة هي انقطاع الهداية الخاصة.
الشبهة الثانية: هل الحسنة والسيئة من اللَّه أو من
العبد نقد هذه الشبهة.
الشبهة الثالثة: ما معنى السعادة والشقاء الذاتيين تفاسير مختلفة للسعادة والشقاء تحرير فلسفي لرد ذاتية الشقاء.
الشبهة الرابعة: القضاء والقدر مصادر القضاء والقدر في الكتاب
والسنّة تفسير القضاء
والقدر القضاء والقدر العلميان الكليان القضاء والقدر العلميان الجزئيان القضاء والقدر العينيان التقدير مقدم على القضاء تقسيم فعل الإنسان إلى قسمين.
لقد بعث الاف الأنبياء (عليهم السلام) في مراحل تاريخية مختلفة وأماكن مختلفة
من العالم وقاموا بمهامهم خير قيام في هداية البشرية وتربيتهم وتقوية معتقداتهم
وقيمهم، ودعوا إلى التوحيد والعدل، وتميَّز من بينهم نوح وإبراهيم وموسى وعيسى
(عليهم السلام) بأن أنزل اللَّه
عليهم كتباً سماويَّة مشتملة على الأحكام والقوانين الفردية والاجتماعية والتعاليم
والوظائف الأخلاقية والقانونية الملائمة لظروفها الزمانية. ولكن هذه الكتب تعرّضت
للتحريف ومنها ما اختفى وعاش الناس في ضلال لأنهم باتوا يأخذون دينهم من رهبانهم
وأحبارهم وكتبهم مع ما فيها من تحريف، وأساطير، وتشويه صورة الأنبياء، والنيل من
مقام الربوبية، وتحريم ما أحل اللَّه، وتجويز ما حرَّم، فلم يعد أي دور يذكر
لهداية البشر حيث غاص العالم كله في القرن السادس الميلادي في الظلام والجهل
والظلم وخمدت مشاعل الهداية الإلهية وفي ذلك الوقت بعث اللَّه سبحانه وتعالى خاتم
الأنبياء وأفضلهم في أكثر المناطق تخلُّفاً وانحطاطاً وظلماً وجهالةً أرسله إلى
البشر كافة ليحمل لهم الكتاب الإلهي الخالد ليهديهم إلى سبيل الرشاد ويعلمهم
المعارف الحقيقية ويقود البشر إلى السعادة الدنيوية والأخروية.
يقول تعالى: « لَقَدْ مَنَّ
اللّهُ عَلَى الْمُؤمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْ أَنفُسِهِمْ
يَتْلُو عَلَيْهِمْ ايَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ
وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُواْ مِن قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُّبِينٍ »
(189).
ويقول تعالى: « هُوَ الَّذِي
بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ ايَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ
وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ
مُّبِينٍ »
(190).
الدليل على نبوة
نبي الإسلام (ص) :
إثبات نبوة أي نبي يتم من خلال ثلاث طرق:
الأول: التعرف على سيرتهم وسلوكهم.
الثاني: إخبار الأنبياء السابقين.
الثالث: المعجزة.
وهذه الطرق الثلاث قد توفرَّت في نبوة نبي الإسلام محمد
بن عبد اللَّه (ص) .
أما الأول: فإن أهل مكة قد عاشروا الرسول (ص) أربعين عاماً ولم يجدوا خلالها عثرة من
العثرات وأي ضعف في حياته، بل كانت حياته مضيئة بالنور والعطاء وكان يُشار إليه
بالبنان، وبالتواضع والزهد والصدق والأمانة حيث لقَّبوه بالصادق الأمين، وكان مثال
مكارم الأخلاق حتى نعته اللَّه تعالى بقوله: «وَإِنَّكَ
لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ»
(191).
وأما الثاني: فقد أخبر وبشَّر الأنبياء السابقون بنبوته
وبعثته (ص) وقد كان ينتظر ظهوره
جماعة من أهل الكتاب وكانوا يعرفون بعض العلامات الواضحة والبيّنة عليه، وكانوا
يقولون للمشركين من العرب بأنه سيبعث بالرسالة أحد أبناء إسماعيل (ع) يصدّق بالأنبياء السابقين وقد امن به بعض
علماء اليهود والنصارى اعتماداً على تلك البشائر.
يقول تعالى في كتابه الكريم على لسان عيسى (ع) : « وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ
إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُم مُّصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ
التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِن بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ
فَلَمَّا جَاءهُم بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُّبِينٌ »
(192).
ويقول سبحانه: « الَّذِينَ
يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا
عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ
وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ...»
(193).
ويقول تعالى على لسان إبراهيم (ع) : « رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُو
عَلَيْهِمْ ايَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِم»
(194).
إن معرفة علماء بني إسرائيل بنبي الإسلام (ص) استناداً إلى بشارات الأنبياء السابقين
تُعدُّ دليلاً واضحاً على صحة نبوته (ص)
وحجة مقنعة لأهل الكتاب ولغيرهم لمشاهدتهم صدق وحصول هذه البشارات.
أما الطريق الثالث: المعجزة
إن الناس كانوا يطلبون المعجزة من الأنبياء عند إدعائهم
النبوة كما حدثنا القران الكريم عن قوم نبي اللَّه صالح (ع) : « مَا أَنتَ إِلا بَشَرٌ مِّثْلُنَا فَأْتِ بِايَةٍ إِن كُنتَ
مِنَ الصَّادِقِينَ»
(195)
وقد يخبر النبي عن تسلُّحه بالمعجزة ابتداءً كما حصل مع نبي اللَّه موسى (ع) مخاطباً فرعون: «حَقِيقٌ
عَلَى أَن لاَّ أَقُولَ عَلَى اللّهِ إِلاَّ الْحَقَّ قَدْ جِئْتُكُم بِبَيِّنَةٍ
مِّن رَّبِّكُم»
(196).
وكذلك حدث مع النبي عيسى (ع) كما في قوله تعالى: «وَرَسُولاً
إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُم بِايَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ »
(197).
إن معجزات رسول اللَّه (ص) أكثر من أن تحصى بل إن جميع أقواله وأفعاله وأحواله وأخلاقه
وأوصافه هي معجزات باهرات وايات ظاهرات. ومن المعجزات المذكورة في القران الكريم:
1 - شقّ له القمر بمكة عندما طلبت قريش منه اية كما أخبر
القران الكريم «اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانشَقَّ
الْقَمَرُ ءوَإِن يَرَوْا ايَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُّسْتَمِر»
(198).
2 - رمى الجيش بقبضة من تراب فعميت عيونهم ونزل في ذلك
قوله تعالى: «وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ
اللّهَ رَمَى»
(199).
القران الكريم هو الكتاب السماوي الوحيد الذي أعلن أنه
لا يمكن لأحدٍ الاتيان بمثله حتى لو اجتمعت الإنس والجن، أو حتى بعشر سورٍ أو سورة
واحدة يقول تعالى: « قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنسُ
وَالْجِنُّ عَلَى أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْانِ لاَ يَأْتُونَ
بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا »
(200)
ويقول تعالى: « أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ
فَأْتُواْ بِعَشْرِ سُوَرٍ مِّثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُواْ مَنِ اسْتَطَعْتُم
مِّن دُونِ اللّهِ إِن كُنتُمْ صَادِقِين »
(201)ويقول
تعالى: « فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّثْلِهِ وَادْعُواْ
مَنِ اسْتَطَعْتُم مِّن دُونِ اللّهِ إِن كُنتُمْ صَادِقِين »
(202).
ثم إن عدم الاستجابة لهذا التحدي لهو دليل على إعجازه
وتصديق لنبوة صاحبه (ص) .
وجوه اعجازه: يوجد وجوه عديدة لاعجاز هذا الكتاب العظيم
منها:
1- أنه مع
كونه مؤلفاً من هذه الحروف الهجائية المحدودة عجز البشر عن الإتيان بمثله.
2 - فرادة الأسلوب وأعجوبة النظم وليس له شبيه في كتب
الشعراء والبلغاء والفصحاء.
3 - عدم الاختلاف والتناقض فيه ولو كان من عند غير
اللَّه لوجدوا فيه اختلافاً كثيراً.
يقول تعالى: « أَفَلاَ
يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْانَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللّهِ لَوَجَدُواْ
فِيهِ اخْتِلاَفًا كَثِيرًا »
(203).
4 - اشتماله على الاداب الكريمة والشرائع القويمة ونظام
العباد والبلاد والمعاد.
5 - اشتماله على ما كان مخفياً من الأخبار الماضية
والأزمنة الغابرة كقصص ( أصحاب
الكهف وسبأ وذي القرنين والخضر ).
6 - اشتماله على الأمور المستقبلية: «كغلبة الروم » في
قوله تعالى: « غُلِبَتِ الرُّومُ * فِي أَدْنَى
الْأَرْضِ وَهُم مِّن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ »
(204).
7 - أنه مع كل وجوه اعجازه صدر من إنسان أمي لم يكن
قارئاً ولا كاتباً.
إن الدين الإسلامي هو الدين الخالد، ودعوته شاملة وعامة
غير محددة بمنطقة وغير مختصة بقوم، ويؤيد ذلك الرسائل التي كان يبعثها الرسول
(ص) للرؤساء والملوك والحكام أمثال
قيصر الروم وكسرى الفرس وحكام مصر والشام والحبشة ورؤساء القبائل المختلفة، حيث
دعاهم جميعاً لاعتناق الإسلام، ويدل على ذلك أيضاً أن خطابات الايات القرانية
متوجهة للناس جميعاً في الغالب مثل: « يا أيها الناس » « يا بني ادم » « يا أهل
الكتاب» « رحمة للعالمين » « وما أرسلناك إلا كافة
للناس »
(205)،
« لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّه»
(206).
وهذه الرسالة هي خاتمة الرسالات السماوية يقول تعالى في
كتابه الكريم: « مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ
مِّن رِّجَالِكُمْ وَلَكِن رَّسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّين »
(207).
الاية المباركة تدل على أن النبي الأكرم هو خاتم
الأنبياء أي أن سلسلة النبوة تنتهي بنبوته (ص) هذا بالإضافة إلى كثير من الروايات الدالة على ذلك، كقوله (ص)
: « أيها الناس إنه لا نبي بعدي ولا أمة بعدكم »
(208).
وقوله (ص)
لعلي (ع) : « أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون
من موسى، إلا أنه ليس بعدي نبي »
(209).
تميّز من
بين الأنبياء نوح وإبراهيم وموسى وعيسى (عليهم السلام) بما أنزل اللَّه عليهم من الكتب السماوية المشتملة على الأحكام
والقوانين ولكن هذه الكتب تعرضت للتحريف ومنها اختفى تماماً وغاص العالم كله في
الظلام والجهل حينها بعث اللَّه خاتم الأنبياء (ص) في أكثر المناطق تخلّفاً وانحطاطاً وظلماً، للناس كافة ورحمة
للعالمين.
الدليل
على نبوة النبي محمد (ص) هو سيرته
وسلوكه، إخبار الأنبياء السابقين عنه والمعجزة الخالدة.
معجزاته
(ص) أكثر من أن تحصى.
القران
الكريم هو الكتاب السماوي الوحيد الذي أعلن أنه لا يمكن لأحد الإتيان بمثله أو
بجزء منه.
يقول تعالى: « لَقَدْ مَنَّ
اللّهُ عَلَى الْمُؤمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْ أَنفُسِهِمْ
يَتْلُو عَلَيْهِمْ ايَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ
وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُواْ مِن قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُّبِينٍ ».
1 - في أي بيئة وجو بعث النبي محمد (ص) ؟
2- ما هو
الدليل على نبوة نبي الإسلام (ص) ؟
3 - كيف كان سلوكه (ص) مع أهل مكة؟
4 - ما هي معجزة النبي محمد (ص) وما هو وجه الاعجاز فيها؟
5 - ما هو الدليل على أن الإسلام خاتم الديانات وأن
النبي محمد (ص) هو خاتم الأنبياء
(عليهم السلام) ؟
النبوة الخاصة
الاعجاز العلمي في القران
كل الكواكب متحركة
لقد أصبح أمراً ثابتاً ومؤكداً في علم الهيئة الحديث
بأنه لا وجود لكوكب ساكن في الكون وأنه لا صحة لموضوعة تقسيم السيارات والكواكب
إلى ثابتة ومتحركة كما كان يقول القدماء، بل إنه لا وجود حتى لكوكب واحد ساكن في
هذا العالم اللامتناهي. وحتى سنين خلت كانت السيارات تعدّ بحدود ال300 مليون بينما
صاروا يعجزون اليوم عن عدّها وإحصائها.
وقد ورد في القران الكريم بصراحة قول اللَّه تعالى: «وكل
في فلك يسبحون» أي أنه لا وجود للكوكب الثابت بل إن كل واحد منها يسبح ويتحرك في
المدار الذي حُدِّد له من قبل اللَّه، في حين أن بطليموس كان يقول بأن الفلك
الثامن ما هو إلا عبارة عن فلك ثابت وأن الكواكب الموجودة فيه كواكب ساكنة، لكن
القران يرفض ذلك ويؤكّد بأن الجميع في حالة حركة مستمرة.
الجبال هي المسامير المُثبتة للأرض
لقد أصبح من الأمور الثابتة اليوم كون الجبال الواقعة
فوق الأرض والممتدة جذورها في عمق الكرة الأرضية هي السبب في استقرار الأرض. فلولا
وجود هذه الجبال فإن هذه الكرة الأرضية التي تقطع أربعة فراسخ في حركتها
الانتقالية في كل دقيقة وأربعة فراسخ أخرى في حركتها الموضعية في كل ثانية و240
فرسخاً في حركتها الدورانية حول نفسها كانت في طريقها إلى الزوال والتلاشي، لكن
هذه الجبال هي التي تمنع تلاشيها، وهذا الأمر سبق أن أشار إليه القران المجيد
وأكّده قبل ألف وأربعمائة سنة مضت حيث قال تعالى: « وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا » كما
جاء في سورة النبأ، الاية: 7.
وكما يقول أمير المؤمنين علي (ع) في إحدى خطبه الغراء: «فطر الخلائق
بقدرته ووتد بالصخور ميدان أرضه» (نهج البلاغة).
لقد كان هذا بمثابة إشارة إجمالية للموضوع، ومن أراد
التفصيل في هذا المجال فليرجع إلى الكتاب الذي سبق أن أشرنا إليه أو سائر الكتب
الأخرى حول الموضوع
(210).
العقيدة الإسلامية
اسم الكتاب: العقيدة الإسلامية على ضوء مدرسة أهل البيت
(عليهم السلام)
المؤلف العلامة المحقق الشيخ جعفر السبحاني.
كتاب العقيدة الإسلامية من الكتب التي تحاول أن ترسم
صورة متكاملة توضح من خلالها معالم الإسلام وما ابتني عليه من الأصول العقائدية
المتينة من خلال الأدلة العقلية التي تمكن الفكرة وتثبت صدقها.
قسم المؤلف الكتاب إلى أصول بلغت المئة وخمسين أصلاً
وفصلها إلى عشرة فصول:
الفصل الأول: مناهج المعرفة في الإسلام.
الفصل الثاني: التوحيد مراتبه وأبعاده.
الفصل الثالث: صفات اللَّه سبحانه وتعالى.
الفصل الرابع: العدل الإلهي.
الفصل الخامس: النبوة العامة.
الفصل السادس: النبوة الخاصة.
الفصل السابع: الإمامة والخلافة.
الفصل الثامن: عالم ما بعد الموت.
الفصل التاسع: الإيمان والكفر.
الفصل العاشر: الحديث والاجتهاد والفقه.
إن الدين قد كمل على يدي رسول اللَّه (ص) والنعمة قد تمَّت، وإن اللَّه تعالى قد
رضي لنا الإسلام ديناً يقول تعالى: «الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ
عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَم ديناً»
(211)ولكن
متى رضي اللَّه سبحانه وتعالى بهذا الدين واعتبره كاملاً وتاماً؟!
في الجواب على هذا السؤال نرجع إلى الحادثة التي حصلت
وسبَّبت نزول هذه الاية الكريمة التي نزلت في السنة العاشرة للهجرة وعند عودة
النبي (ص) من حجة الوداع عندما نزل
جبرائيل (ع) بالاية المباركة « يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن
رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللّهُ يَعْصِمُكَ
مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِين »
(212).
فما هو هذا البلاغ العظيم والمهم الذي توقفت عليه الدعوة
وصحتها وتوقف عليه كمال الدين وجهاد ومعاناة النبي (ص) والمسلمين طوال ثلاثة وعشرين عاماً، فعندها نُصب لرسول اللَّه
(ص) المنبر وصعد عليه وقال (ص) : « أيها الناس إن اللَّه مولاي وأنا أولى بالمؤمنين من أنفسهم
ألا من كنت مولاه فعلي مولاه اللهم والِ من والاه »
(213)
وبعدها سلَّم المسلمون على علي (ع)
بإمرة المسلمين.
فاللَّه تعالى إرتضى عن هذا الدين واعتبره كاملاً عندما
نصَّب الرسول (ص) إماماً وعندما جعل
خليفة، يكمل دور النبوة في الهداية والرعاية. وهكذا كانت سنَّة الأنبياء السابقين
(عليهم السلام) فإنهم كانوا يوصون
إلى أوصياء بعدهم حتى لا يتركوا الأمة في فراغ بل ليهدوا الأمة إلى سبل الخير
ويعرِّفوهم طرق التكامل والرشد.
الإمامة في اللغة: الرئاسة العامة وكل من يتصدى لرئاسة
جماعة يسمى «إمام».
الإمامة في الاصطلاح: هي الرئاسة والقيادة العامة
الشاملة على الأمة الإسلامية في كل الأبعاد والجوانب الدينية والدنيوية.
بعدما عرفنا أن النبي (ص) هو خاتم النبيين وأن الخلافة هي سنَّة مستمرة بين الأنبياء
(عليهم السلام) حتى لا تخلو الأرض
من حجة ولحفظ ما أنجزه الأنبياء وإتمام دورهم في هداية الناس إلى كمالهم الروحي
والأخلاقي وكل ما يرتبط في حياتهم واخرتهم ويكون ذلك على يدي إنسان يتمتع بنفس
مواصفات النبي من الكفاءة والمؤهلات ويمتلك كل مناصب النبي إلا النبوّة والرسالة،
يقول أمير المؤمنين (ع) : «اللهم بلى، لا تخلو الأرض من
قائم للَّه بحجة، إما ظاهراً مشهوراً وإما خائفاً مغموراً، لئلا تبطل حجج اللَّه
وبيناته»
(214).
وقال الإمام الباقر (ع) : «إن
اللَّه لم يدع الأرض بغير عالم، ولولا ذلك لم يعرف الحق من الباطل»
(215).
إن مسألة الإمامة ليست مسألة سهلة بل لها من الأهمية
والخطورة بحيث لا يمكن أن يقوم بها وبمهامها إلا من اختصه اللَّه تعالى بصفات خاصة
لذلك لم يترك أمر اختيار أصحابها إلى الناس، بل كانوا يعيّنون من قبل اللَّه تعالى
على لسان من سبقهم من الأنبياء والأئمة (عليهم السلام) ، يقول تعالى مخاطباً النبي
إبراهيم (ع) : « إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا
قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِي قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِين »
(216).
وهذه الاية المباركة تدل على أن الذي يتصدى لهذا المنصب
يجب أن يكون مقبولاً ومرضياً عند اللَّه سبحانه وتعالى لأن مسألة الإمامة هي عهد
من اللَّه وصاحب هذا العهد عليه أن يتمتع بصفات ومؤهلات كثيرة كالعصمة تماماً كما
كانت شرطاً في النبوة، ويدل على ذلك:
1 - الاية السابقة: « وَإِذِ
ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي
جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِي قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِي
الظَّالِمِين »
(217)
، تنص الاية الكريمة على أن الظالم وهو المرتكب للمعصية لا يمكن أن يصل إلى هذا
المقام العظيم وهو مقام الإمامة الإلهية.
2 - وقوله تعالى: « إِنَّمَا
يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ
تَطْهِيرًا »
(218)
فاللَّه تعالى أراد لأهل البيت (عليهم السلام) باعتبار أنهم أصحاب المنصب الإلهي أن يكونوا مطهَّرين من
الأنجاس والأرجاس وما أراده اللَّه تعالى لا بد أن يقع لأنه تعالى: « إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ
كُنْ فَيَكُونُ »
(219).
قلنا إن منصب الإمامة هو استمرار للنبوة فلذلك ما كان
لرسول اللَّه (ص) أن يترك المجتمع
يعيش في فراغ بعد رحيله حيث تقع فيه الخلافات والنزاعات ويرجع الناس إلى عهد
الجاهلية، بل إن رسول اللَّه (ص)
وهو الذي بعث رحمة للعالمين وسيد العقلاء الذي لا ينطق عن الهوى إن هو إلا
وحي يوحى، كان قد نصَّ على ولاية وإمامة علي (ع) في مناسبات كثيرة منذ انطلاق الدعوة الإسلامية، حيث ينقل لنا
التاريخ تلك الحادثة المعروفة بحديث الدار عندما جمع عشيرته ولم يؤازره على أمره
غير الإمام علي (ع) فقال عندها (ص)
: « أنت أخي ووصيي ووزيري ووارثي وخليفتي من بعدي »
(220)
ثم أكد على هذه الولاية في العديد من النصوص لاحقاً إلى أن وصل إلى حديث الغدير
الذي أوردناه أولاً.
هذا بالإضافة إلى الايات الواردة في حق أمير المؤمنين
(ع) التي منها:
قوله تعالى: « إِنَّمَا
وَلِيُّكُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ امَنُواْ الَّذِينَ يُقِيمُونَ
الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُون »
(221).
وقد أجمع المفسرون من السنة والشيعة على أنها نزلت بحق
أمير المؤمنين (ع) عندما تصدَّق
بخاتمه أثناء الصلاة.
ومنها قوله تعالى: « سَأَلَ
سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ ءلِّلْكَافِرينَ لَيْسَ لَهُ دَافِعٌ »
(222).
وفي أسباب نزول هذه الاية المباركة، روى الثعلبي الذي هو
من المفسرين السنّة، «أنه لما كان النبي (ص) بغدير خم نادى الناس فاجتمعوا، فأخذ بيد علي (ع) فقال من كنت مولاه فعلي مولاه، فشاع ذلك
وطار في البلاد فبلغ الحارث بن النعمان الفهري فأتى نحو النبي (ص) على ناقته حتى أتى الأبطح فنزل عن ناقته
فأناخها وعقلها، ثم أتى النبي (ص)
وهو في ملأ من أصحابه فقال: يا محمد أمرتنا من اللَّه أن نشهد أن لا إله
إلا اللَّه وأنك رسول اللَّه ففعلناه، وأمرتنا أن نصلي خمساً فقبلناه، وأمرتنا أن
نصوم شهر رمضان فقبلناه، وأمرتنا أن نحج البيت فقبلناه، ثم لم ترض بهذا حتى رفعت
بطبعي ابن عمك وفضَّلته علينا، وقلت من كنت مولاه فعلي مولاه، وهذا شيء منك أم من
اللَّه؟ فقال النبي (ص) : والذي لا إله إلا هو، من اللَّه، فولَّى الحارث بن
النعمان يريد راحلته وهو يقول: اللهم إن كان ما يقول محمد حقاً فأمطر علينا حجارة
من السماء أو ائتنا بعذاب أليم، فما وصل إليها حتى رماه ابن بحجر فسقط على هامته
فقتله وأنزل اللَّه تعالى: «سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ »
(223).
لأهمية موقع الإمامة وخطورته لم يكتفِ النبي (ص) بالنص على أمير المؤمنين (ع) فقط، بل أشار إلى الأئمة الإثني عشر (
عليهم السلام ) في مناسبات عديدة
وبصيغ مختلفة، منها: ما رواه جابر بن سمرة قال: سمعت رسول اللَّه (ص) يقول: لا يزال الإسلام عزيزاً إلى إثني
عشر خليفة، ثم قال كلمة لم أفهمها، فقلت لأبي: ما قال؟ قال: كلهم من قريش»
(224).
وفي رواية عن الصحابي الجليل جابر بن عبد اللَّه
الأنصاري قال : لما أنزل اللَّه تبارك وتعالى على نبيه (ص) : « يا أيها الذين امنوا أطيعوا اللَّه وأطيعوا الرسول وأولي
الأمر منكم » قلت يا رسول اللَّه قد عرفنا اللَّه ورسوله فمن أولي الأمر الذين قرن
اللَّه طاعتهم؟ فقال (ص) : هم خلفائي وأئمة المسلمين بعدي أوّلهم: علي بن أبي طالب
ثم الحسن والحسين ثم علي بن الحسين ثم محمد بن علي المعروف في التوراة بالباقر
وستدركه يا جابر فإذا لقيته فاقرأه عني السلام، ثم الصادق جعفر بن محمد ثم موسى بن
جعفر ثم علي بن موسى ثم محمد بن علي ثم علي بن محمد ثم الحسن بن علي ثم سميّي
وكنيّي حجة اللَّه في أرضه وبقيته في عباده ابن الحسن بن علي الذي يفتح اللَّه على
يده مشارق الأرض ومغاربها، ذاك الذي يغيب عن شيعته غيبة لا يثبت على القول في
إمامته إلا من امتحن اللَّه قلبه بالإيمان »
(225).
إن الدين
قد كمل وتمت النعمة عندما نصّب رسول اللَّه (ص) الإمام علي (ع)
إماماً وخليفة من بعده، وبذلك رضي اللَّه تعالى لنا هذا الدين العظيم
واعتبره كاملاً.
الإمامة
هي القيادة والرئاسة العامة الشاملة على الأمة الإسلامية من جميع الجوانب.
الإمامة
مسألة خطيرة لا يمكن أن يقوم بأعبائها إلا من اختصه اللَّه تعالى بصفات خاصة، ولا
بد أن يكون منصوصاً عليه من قبل اللَّه تعالى .
نص النبي
(ص) على وجود اثني عشر إماماً في
مناسبات عديدة، وهناك بعض الروايات عنه (ص)
تنص على أسمائهم كالرواية المروية عن جابر الأنصاري.
ورد عن أمير المؤمنين (ع) : « اللهم بلى، لا تخلو الأرض
من قائم للَّه بحجة، إما ظاهراً مشهوراً وإما خائفاً مغموراً، لئلا تبطل حجج
اللَّه وبيناته».
1 - متى كمل الدين وتمت النعمة اذكر الحادثة والزمان
والمكان والاية؟
2 - عرِّف الإمامة لغةً وإصطلاحاً؟
3 - ما هو الدليل على عصمة الإمام (ع) ؟
4 - من ينصب الإمام ولماذا؟
5 - اذكر حديثاً ينص على الأئمة الإثني عشر؟
الإمامة
كان عند أبي عبد اللَّه (ع) جماعة من أصحابه منهم حمران بن أعين، ومحمد بن النعمان، وهشام
بن سالم، والطيار، وجماعة فيهم هشام بن الحكم وهو شاب فقال أبو عبد اللَّه (ع) :
يا هشام ألا تخبرني كيف صنعت بعمرو بن عبيد وكيف سألته؟ فقال هشام: يا ابن رسول
اللَّه إني أجلك وأستحييك ولا يعمل لساني بين يديك، فقال أبو عبد اللَّه: إذا
أمرتكم بشيء فافعلوا. قال هشام: بلغني ما كان فيه عمرو بن عبيد وجلوسه في مسجد البصرة
فعظم ذلك علي فخرجت إليه ودخلت البصرة يوم الجمعة فأتيت مسجد البصرة فإذا أنا
بحلقة كبيرة فيها عمرو بن عبيد وعليه شملة سوداء متزر بها من صوف، وشملة مرتد بها
والناس يسألونه، فاستفرجت الناس فأفرجوا لي، ثم قعدت في اخر القوم على ركبتي ثم
قلت: أيها العالم إني رجل غريب تأذن لي في مسألة؟ فقال لي: نعم، فقلت له: ألك عين؟
فقال يا بني أي شيء هذا من السؤال؟ وشيء تراه كيف تسأل عنه؟ فقلت هكذا مسألتي
فقال يا بني سل وإن كانت مسألتك حمقاء قلت: أجبني فيه قال لي سل قلت الك عين؟ قال:
نعم، قلت: فما تصنع بها؟ قال: أرى بها الألوان والأشخاص، قلت: فلك أنف؟ قال: نعم،
قلت: فما تصنع به؟ قال: أشم به الرائحة قلت: ألك فم؟ قال: نعم، قلت: فما تصنع به؟
قال: أذوق به الطعم، قلت: فلك أذن؟ قال: نعم، قلت: فما تصنع بها؟ قال: أسمع بها
الصوت، قلت: ألك قلب؟ قال: نعم، قلت: فما تصنع به؟ قال: أميز به كل ما ورد على هذه
الجوارح والحواس، قلت: أوليس في هذه الجوارح غنى عن القلب؟ فقال: لا، قلت: وكيف
ذلك وهي صحيحة سليمة، قال: يا بني إن الجوارح إذا شكت في شيء شمته أو رأته أو
ذاقته أو سمعته، ردته إلى القلب فيستيقن اليقين ويبطل الشك، قال هشام: فقلت له:
فإنما أقام اللَّه القلب لشك الجوارح؟ قال: نعم، قلت: لا بد من القلب وإلا لم
تستيقن الجوارح؟ قال: نعم، فقلت له: يا أبا مروان فاللَّه تبارك وتعالى لم يترك
جوارحك حتى جعل لها إماماً يصحح لها الصحيح ويتيقن به ما شك فيه ويترك هذا الخلق
كلهم في حيرتهم وشكهم واختلافهم، لا يقيم لهم إماماً يردون إليه شكهم وحيرتهم،
ويقيم لك إماماً لجوارحك ترد إليه حيرتك وشكك؟! قال: فسكت ولم يقل لي شيئاً.
الاقتصاد الهادي إلى طريق الرشاد
المؤلف: شيخ الطائفة الفقيه الأكبر أبو جعفر محمد بن
الحسن الطوسي (385 - 460) التعريف بالكتاب ومنهجه:
«الاقتصاد الهادي إلى طريق الرشاد» مع صغر حجمه يستعرض
أمهات المسائل الكلامية في التوحيد والعدل والنبوة والإمامة والمعاد، كما يتعرض
لأهم الفروع الفقهية من أبواب الطهارة والصلاة والصوم والزكاة والحج والجهاد،
بانياً القسم الأول منه على الأدلة العقلية الفلسفية وربما يستشهد في بعضها
بالأدلة النقلية من الكتاب الكريم والسنّة الطاهرة، وأما القسم الثاني فيرتكز على
فتاواه الفقهية وما توصل إليه بارائه الاجتهادية. والكتاب بقسميه خلاصة جيدة من عقائد الشيعة الإمامية في الكلام والفقه، وهو
بعباراته الميسرة خير معين لمن أراد الوقوف على اراء الإمامية في هذين الفرعين من
فروع الثقافة الإسلامية.
إن الموت هو حقيقة لا مفرَّ منها ولا مهرب وكل إنسان
يُذعن بأن مصيره إلى التراب في اخر المطاف ولكن كثيراً من الناس يتعاملون مع الموت
معاملة الشك مع أنهم لا يرتابون
فيه، يقول الإمام الصادق (ع) : « ما خلق اللَّه عزَّ
وجلَّ يقيناً لا شك فيه أشبه بشك لا يقين فيه من الموت »
(226)
وتضافرت الايات الكريمة التي تتحدث عن حتمية الموت وأن اللَّه تعالى هو الواحد
الباقي يقول تعالى: «كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْت
»
(227).
«كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ ءوَيَبْقَى
وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ »
(228).
« إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُم مَّيِّتُون »
(229).
لكل أمة ونفس جعل اللَّه سبحانه وتعالى أجلاً وإذا جاء
الأجل لا يمكن الهروب منه يقول تعالى: « وَجَاءتْ
سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنتَ مِنْهُ تَحِيد »
(230).
ويقول تعالى: « وَلِكُلِّ
أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذَا جَاء أَجَلُهُمْ لاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ
يَسْتَقْدِمُونَ »
(231).
ويحدثنا القران الكريم عن أولئك الذين يفرُّون من الموت
ماذا أصابهم يقول تعالى: « أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ
خَرَجُواْ مِن دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللّهُ
مُوتُواْ »
(232).
ويقول تعالى: «أَيْنَمَا
تَكُونُواْ يُدْرِككُّمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنتُمْ فِي بُرُوجٍ مُّشَيَّدَة»
(233).
ويقول تعالى في سورة الجمعة: «قُلْ
إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ»
(234).
الموت ليس زوالاً وانعداماً للإنسان بل هو الحياة
الحقيقية لأن الإنسان خلق في هذه الدنيا ليبقى ويتكامل لا لينعدم ويزول يقول النبي
(ص) : «ما خلقتم للفناء بل خلقتم للبقاء وإنما تنقلون
من دار إلى دار»
(235).
إنما هي الأرواح باقية حية في عالم اخر وفي دار غير هذه
الدار وإن كل ما حصل بالموت هو أن الأرواح فارقت الأبدان، يقول تعالى: « وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ
أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاء عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ »
(236).
وقد سُئل الإمام الحسن (ع) ما الموت الذي جهلوه؟ فقال (ع) : أعظم سرور على المؤمنين إذا
نقلوا عن دار النكد إلى نعيم الأبد،
وأعظم ثبور يرد على الكافرين إذا نقلوا عن جنتهم إلى نار لا تبيد ولا تنفد»
(237).
ويقول النبي (ص) : «الدنيا
سجن المؤمن وجنة الكافر والموت جسر هؤلاء إلى جنانهم وجسر هؤلاء إلى جحيمهم»
(238).
إن الايات الواردة في هذا المجال على ثلاثة أقسام:
الأول: أن اللَّه تعالى هو الذي يقبض الأرواح، يقول تعالى:
« اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا
وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا »
(239).
الثاني: أن الذي يتولى ذلك الملائكة لقوله تعالى: «حَتَّىَ إِذَا جَاء أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ
رُسُلُنَا وَهُمْ لاَ يُفَرِّطُونَ»
(240)
ويقول تعالى: «الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ
طَيِّبِينَ »
(241).
الثالث: أن الذي يتولى ذلك ملك الموت: «قُلْ يَتَوَفَّاكُم مَّلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ
بِكُمْ »
(242).
ويشرح الإمام الصادق (ع) هذه الايات المباركة، عندما سُئِل عنها قال (ع) : « إن اللَّه تبارك وتعالى جعل لملك الموت أعواناً من الملائكة
يقبضون الأرواح، بمنزلة صاحب الشرطة له أعوان من الأنس يبعثهم في حوائجه، فتتوفاهم
الملائكة ويتوفاهم ملك الموت منهم مع ما يقبض هو ويتوفاها اللَّه عزَّ وجلَّ من
ملك الموت »
(243).
لماذا الخوف من الموت:
إن للموت صورة مريعة عند عامة الناس، وإن لهذا الخوف
منشأ ولم يأتِ من فراغ وبلا سبب. ويمكن تلخيص أسباب الخوف بالأمور التالية:
1 - الجهل بحقيقة الموت وما ينتظر الإنسان بعد الموت،
فلو عرف الإنسان حقيقة الموت وأنه ليس انعداماً وإنما هو قنطرة تعبر بنا من عالم
إلى عالم وأن الحياة الحقيقية هي في الاخرة، لو علم الإنسان ذلك وكان من المؤمنين
المطيعين فبالطبع سيزول عنده الخوف من الموت، لأن الموت هو مخلوق من قبل اللَّه
تعالى كما أن الحياة مخلوقة كما عبّر اللَّه تعالى عنه وهذا التعبير يعني الايجاد
وليس الانعدام يقول تعالى: « الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ
وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا »
(244).
2 - ارتكاب الذنوب في عالم الدنيا: فإن الإنسان إذا
قصَّر في واجباته وارتكب الذنوب والاثام ولم يطهِّر نفسه فإنه حتماً سيكره الموت
ويخاف منه لأنه يخاف أن ينتقل من نعيم إلى جحيم يقول تعالى: « الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي
أَنفُسِهِمْ فَأَلْقَوُاْ السَّلَمَ مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِن سُوءٍ بَلَى إِنَّ
اللّهَ عَلِيمٌ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ »
(245).
أما عن
حال المؤمنين يقول تعالى: « الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ
الْمَلائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُواْ الْجَنَّةَ
بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ »
(246).
3- عمران
الدنيا ونسيان الاخرة والتكاثر والتفاخر بالمال والبنين، يقول تعالى: «وَاعْلَمُواْ أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلاَدُكُمْ
فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللّهَ عِندَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ»
(247)
ويقول تعالى: « ألهكم التكاثر حتى زرتم المقابر »
(248).
وروي أن
رجلاً جاء إلى رسول اللَّه (ص) فقال
يا رسول اللَّه ما لي لا أحب الموت، فقال: ألك مال قال: نعم، قال (ص) : قد
قدَّمته، قال: لا، قالا: فمن ثم لا تحب الموت
(249).
وقيل لأبي
ذر (رض): ما بالنا نكره الموت، فقال: لأنكم عمرتم الدنيا وخربتم الاخرة فتكرهون أن
تنتقلوا عن عمران إلى خراب
(250).
حال
المؤمنين والظالمين عند سكرات الموت:
إن حال المؤمنين لا يشبه حال الظالمين عند حلول الموت
وسكراته لأن نتائج أعمالهم واعتقاداتهم سوف تظهر تدريجياً في هذه اللحظة وتبدأ
الحسرة والندامة أو الفرح والسرور.
يقول تعالى: «الَّذِينَ
تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ فَأَلْقَوُاْ السَّلَمَ مَا
كُنَّا نَعْمَلُ مِن سُوءٍ بَلَى إِنَّ اللّهَ عَلِيمٌ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ
* فَادْخُلُواْ أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَلَبِئْسَ مَثْوَى
الْمُتَكَبِّرِين »
(251).
توضح هذه الاية المباركة حال الظالمين كيف أنهم حتى عند
الموت لم يكونوا خاضعين للَّه تعالى وكذبوا ونفوا أنهم كانوا يعملون السوء لذا أتى
في ذيل الاية الكريمة «بَلَى إِنَّ اللّهَ عَلِيمٌ »ثم أمر بهم إلى النار.
ويقول تعالى: «فَكَيْفَ إِذَا
تَوَفَّتْهُمْ الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ »
(252).
فالاية تبيِّن حالهم عند الموت بأن الملائكة تستقبلهم
بالضرب على وجوههم وأدبارهم.
في قبال حال الظالمين يأتي المشهد الاخر وهو حال
المؤمنين الذين يستقبلون الموت بكل اطمئنان يقول تعالى: «
الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلامٌ عَلَيْكُمُ
ادْخُلُواْ الْجَنَّةَ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ »
(253)
وعندئذٍ ينادي منادٍ من قبل رب العزة من بطنان العرش يقول: «يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * إرْجِعِي إِلَى
رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً * فَادْخُلِي فِي عِبَادِي * وَادْخُلِي جَنَّتِي
»
(254).
الموت
حقيقة لا مفرَّ منها ولا مهرب وكل إنسان يذعن أن مسيره إلى التراب ولكن كثيراً من
الناس يتعاملون معه معاملة الريب والشك.
الموت ليس
زوالاً وانعداماً للإنسان بل هو الحياة الحقيقية لأن الإنسان خلق في هذه الدنيا
ليبقى ويتكامل لا لينعدم ويزول.
الايات
الواردة حول من يقبض الأرواح على ثلاثة أقسام:
1 - إن اللَّه تعالى هو الذي يقبض الأرواح.
2 - الذي يتولى ذلك الملائكة.
3 - إن الذي يتولى ذلك ملك الموت.
إن للموت
صورة مريعة عند عامة الناس وإن لذلك أسبابه ومناشئه.
سُئل الإمام الحسن (ع) : «ما الموت الذي جهلوه؟ فقال (ع)
: أعظم سرور على المؤمنين إذا نقلوا عن دار النكد إلى نعيم الأبد، وأعظم ثبور يرد
على الكافرين إذا نُقلوا عن جنتهم إلى نار لا تبيد ولا تنفد».
1 - ما هي حقيقة الموت؟
2 - لماذا يخاف الناس من الموت؟
3 - من يتكفل بقبض الأرواح؟
4 - كيف يكون حال الظالمين عند الموت؟
5 - كيف يكون حال المؤمنين عند الموت؟
الموت
عن الإمام الصادق (ع) بأسانيد كثيرة قال: قال رسول اللَّه (ص) لو أن مؤمناً أقسم على ربه عزَّ وجلَّ
أن لا يميته ما أماته أبداً، ولكن إذا حضر أجله بعث اللَّه عزَّ وجلَّ إليه
ريحين، ريحاً يقال لها المنسية، وريحاً يقال لها المسخية، فأما المنسية فإنها
تنسيه أهله، وماله، وأما المسخية فإنها تسخي نفسه عن الدنيا حتى يختار ما عند
اللَّه تبارك وتعالى.
وفي رواية فرات بن إبراهيم سئل الصادق (ع) عن المؤمن ايستكره على قبض روحه، قال لا
واللَّه، قلت وكيف ذلك، قال لأنه إذا حضره ملك الموت جزع فيقول له ملك الموت لا
تجزع فواللَّه لأنا أبرّ بك واشفق من والد رحيم، لو حضرك افتح عينيك وانظر، قال
ويتهلل له رسول اللَّه (ص) ، وأمير المؤمنين علي بن أبي طالب، والحسن والحسين،
والأئمة من بعدهم والزهراء، قال فينظر إليهم فيستبشر بهم أفما رأيت شخوصه، قلت
بلى، قال فإنما ينظر إليهم، قلت جعلت فداك قد يشخص المؤمن والكافر، قال ويحك إن
الكافر يشخص منقلباً إلى خلفه لأن ملك الموت إنما يأتيه ليحمله من خلفه، والمؤمن
أمامه وينادي روحه مناد من قبل رب العزة من بطنان العرش فوق الأفق الأعلى ويقول
«يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * إرْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً
مَّرْضِيَّةً * فَادْخُلِي فِي عِبَادِي * وَادْخُلِي جَنَّتِي » (الفجر: 29)،
فيقول ملك الموت إني قد أمرت أن أخيّرك بين الرجوع إلى الدنيا والمضي فليس شيء
أحب إليه من سلال روحه
(255).
روضة الواعظين
المؤلف: علي محمد بن الحسن بن علي أحمد ابن الفتال
النيسابوري الفارسي الشهيد سنة 508هـ .
ذكر مؤلفه في مقدمته السبب الداعي لتأليفه فقال: ...
فهممت أن أجمع كتاباً يشتمل على بعض كلام اللَّه تعالى ويدور على محاسن إخبار النبي (ص) ويحتوي على جواهر كلام الأئمة (عليهم السلام) وأبوبه أبواباً ومجالس، وأضع كل جنس
موضعه، فإنه لم يسبقني إليه أحد من أصحابنا إلى تأليف مثل هذا الكتاب، فكان التعب
به أكثر والنصب أعم وأكثر وأنا إن شاء اللَّه أفتتح لكل مجلس منها بكلام اللَّه
تعالى ثم باثار النبي والأئمة (عليهم السلام) محذوفة الأسانيد، فإن الأسانيد لا طائل فيها إذا كان الخبر
شائعاً ذائعاً ووقعت تسميته ب( روضة الواعظين وبصيرة المتعظين ).
وكتابنا هذا في جزءين خص المؤلف الجزء الأول، وهو يشتمل
على ثلاثين مجلساً يتخللها بعض الأبواب والفصول بذكر ماهية العقول والعلوم والنظر ووجوب معرفة اللَّه تعالى
وفساد التقليد في ذلك، والكلام في صفات الباري وخلق الأفعال والقضاء والقدر والعدل
والتوحيد والنبوة والبعثة ومعجزات النبي (ص) وتاريخه، ثم الإمامة وما يتعلق بها وتاريخ الأئمة (عليهم
السلام) من أمير المؤمنين (ع) إلى الحسن العسكري (ع) مع تاريخ الزهراء ا. أما الجزء الثاني
فيزيد على سبعين مجلساً، أتم في أوله الكلام في تاريخ الحجة (عج) وإمامته، ثم ذكر
في باقي مجالسه مناقب ال محمد وفضائل بعض الأعلام، ثم استعرض ذكر بعض الأحكام
والأزمان والأماكن، وحتى القبور والقيامة والصراط والميزان والجنة والنار وغيرها.
وقد طبع هذا الكتاب في إيران مراراً.
الدرس الحادي عشر : عالم البرزخ
البرزخ لغة: هو الحائل بين شيئين أو مرحلتين، ففي الاية
الشريفة « بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لَّا يَبْغِيَانِ »
(256).
البرزخ اصطلاحاً: المراد منه هنا هو العالم الذي يتوسط بين الدنيا وعالم الاخرة،
أي أن الروح بعد انفصالها عن الجسم وقبل عودتها إليه يوم القيامة فإنها سوف تبقى
في عالم يتوسط العالمين ويسمى عالم البرزخ.
وردت في القران الكريم عدَّة ايات تتحدث عن عالم البرزخ
وتعرَّضت هذه الايات إلى ذكر بعض الخصوصيات.
الاية
الأولى يقول تعالى: « حَتَّى إِذَا جَاء أَحَدَهُمُ
الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ
كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِن وَرَائِهِم بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ
يُبْعَثُونَ »
(257).
ففي هذه الاية المباركة يذكر اللّه تعالى حال الكفار
والظلمة بعد الموت مباشرة وبداية دخولهم في عالم البرزخ وقد طلبوا العودة إلى دار
الدنيا للعمل الصالح حيث أدركوا حجم الخسارة التي وقعوا بها، كما يشير إلى ذلك
أمير المؤمنين بقوله: «الناس نيام فإذا ماتوا انتبهوا»
(258).
ولكن يأتي الجواب من اللّه تعالى بعدم العودة وبداية العالم الجديد الذي هو عالم
البرزخ ويبقون فيه إلى يوم القيامة.
وجاء في الحديث عن الإمام الصادق: « أتخوَّف عليكم في
البرزخ ».
فسأله الراوي: ما البرزخ؟
فقال (ع) : « القبر منذ حين
موته إلى يوم القيامة »
(259).
الاية
الثانية: « وَلاَ تَقُولُواْ لِمَنْ يُقْتَلُ فِي
سَبيلِ اللّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاء وَلَكِن لاَّ تَشْعُرُونَ »
(260).
الاية الثالثة:« وَلاَ
تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاء
عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ * فَرِحِينَ بِمَا اتَاهُمُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ
وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُواْ بِهِم مِّنْ خَلْفِهِمْ أَلاَّ
خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ »
(261).
هاتان الايتان تتحدثان عن الشهداء والذين يقتلون في سبيل
اللّه تعالى وعن بعض التفاصيل في حياتهم من الفرح والاستبشار والحياة والرزق وعدم
الخوف والحزن، وهما تدلان على عالم البرزخ بالبيان التالي.
إن الايتين تتحدثان عن الحياة بعد الموت، فأين هي هذه
الحياة؟ بالطبع ليست في الدنيا لأن الكلام بعد الموت، وليست في الاخرة أي يوم
القيامة لأنها لم تأت بعد، فالنتيجة أنهم أحياء في عالم متوسط بين الدنيا والاخرة
وهذه الحياة متناسبة مع تلك النشأة واثارها، وهذا ما سماه القران وأهل البيتؤ
بالبرزخ.
ونلاحظ في هاتين الايتين أن اللّه تعالى يتكلم عن حياة
الشهداء ولكن هذا لا ينفي حياة غيرهم بل لعلَّ اللّه تعالى خصَّص ذكر الشهداء إما
لمدخلية أسباب النزول حيث نزلتا بحق شهداء بدر وأحد، وإما لأن الايتين تبينان فضل
الشهداء وكيفية حياتهم البرزخية من النعيم والرزق الكريم.
الاية
الرابعة: قوله تعالى : « النَّارُ يُعْرَضُونَ
عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا الَ
فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ »
(262).
هذه الاية المباركة إشارة واضحة إلى عالم البرزخ حيث
تتحدث عن ال فرعون كيف يتعذبون في عالم البرزخ حيث يعرضون على النار صباحاً
ومساءً، ويدل على ذلك ذيل الاية التي تحدثت عن دخولهم في النار عند قيام الساعة
المعبَّر عنه بأشد العذاب، وصار يظهر الفرق بين العالمين والعذابين حيث إنهم في
عالم البرزخ يعرضون عرضاً على النار أي لا يدخلونها، فيعذبون فيها عن بعد ومن
وهجها كما لو مرَّ إنسان بجانب نار ودنا منها فإنه قد يحرق نفسه من وهجها،
وبالمقابل لو مرَّ إنسان بجانب بستان مليء بالأشجار فإنه من نسيمه يشعر بالانتعاش
حتى لو لم يدخله.
أما يوم القيامة فإنهم يدخلون إلى النار ويلقاهم أشد
العذاب.
وقد روي عن النبي (ص) ما يؤيد هذا المعنى: « إن أحدكم إذا
مات عرض عليه مقعده بالغداة والعشي فإن كان من أهل الجنة فمن الجنة، وإن كان من
أهل النار فمن النار يقال هذا مقعد
حين يبعثك اللّه يوم القيامة »
(263).
وقالا: « القبر إما روضة من
رياض الجنة أو حفرة من حفر النيران »
(264).
الاية
الخامسة: « قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ قَالَ يَا لَيْتَ
قَوْمِي يَعْلَمُونَ * بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ »
(265).
الاية المباركة تتحدث عن مؤمن ال يس الذي ساند ودعم رسل
السيد المسيح (ع) الذين بعثوا إلى
مدينة إنطاكية ودعا الناس ونصحهم بإتباع الرسل لكن هؤلاء القوم لم يكترثوا به
وقتلوه، وبعد قتله قيل له ادخل الجنة قال يا ليت قومي يعلمون....
وهذه الاية تدل على عالم البرزخ بالبيان الاتي:
إن الجنة عرضت عليه مباشرة بعد قتله بدليل أن قومه ما
زالوا أحياء وتمنى لهم أن يعلموا بما وصل إليه، وبالطبع أن هذه الجنة هي ليست جنة
القيامة لأن القيامة لم يأت موعدها بعد، وليست هذه الجنة في الدنيا قطعاً لذهابه
بموته عن هذه الدنيا، فلا بد وأن يكون هناك عالم اخر، فينحصر ذلك في عالم البرزخ.
وهذه الاية تشير بشكل واضح إلى نعيم القبر والبرزخ بالنسبة للمؤمنين.
نكتفي بهذا المقدار من ذكر الايات التي يمكن إثبات عالم
البرزخ من خلالها ولكي يكتمل البحث نشير إلى بعض الروايات الواردة في هذا المجال.
إن الروايات التي تتحدث عن عالم البرزخ كثيرة.
وفي الحديث المشهور عن النبي(ص): أنه عندما ألقوا
بأجساد قتلى مشركي مكة، الذين قتلوا في غزوة بدر في أحد الابار وقف النبي(ص) على
البئر وقال: « يا أهل القليب
(266)
هل وجدتم ما وعد ربكم حقاً؟ فإني وجدت ما وعدني ربي
حقاً، قالوا: يا رسول اللّه هل يسمعون؟ قال: ما أنتم بأسمع لما أقول منهم، ولكن
اليوم لا يجيبون »
(267).
وذكر أمير المؤمنين في نهج البلاغة، أنه عندما كان
عائداً من حرب صفين وقف على مقبرة تقع خلف باب الكوفة وتحدث إلى الأموات بهذه
الكلمات: « أنتم لنا فرط سابق ونحن لكم تبع لاحق، أما الدور فقد سكنت وأما الأزواج
فقد نكحت وأما الأموال فقد قسمت، هذا خبر ما عندنا فما خبر ما عندكم »؟ فالتفت إلى
أصحابه وقال: « أمَّا لو أذن لهم في الكلام لأخبروكم أن
خير الزاد التقوى »
(268).
وروي عن الإمام الصادق إنه عندما سُئل عن أرواح
المؤمنين أجاب: « في حجرات في الجنة يأكلون من طعامها
ويشربون من شرابها، ويقولون ربنا أقم الساعة لنا وانجز لنا ما وعدتنا»
(269).
القران الكريم لم يتعرض إلا لبعض حالات عالم البرزخ
كالحياة والفرح والاستبشار وعدم الخوف بالنسبة للمؤمنين مقابل العذاب الذي يعيشه
الظالمون والعرض على النار في الصباح والمساء، أما الخصوصيات التفصيلية لعالم
البرزخ فإن القران الكريم لم يتعرض لذكرها بل تعرَّضت لها الروايات عن النبي وأهل
بيتهؤ ونذكر بعضاً منها:
1 - السؤال في القبر: عندما يوضع الميت في القبر يأتيه
الملكان فيسألانه عن ربه ودينه وبنيّه وأئمته وكتابه وقبلته وكيف قضى عمره وأنفق
ماله وغير ذلك. وروي عن الإمام علي ابن الحسين: أنه قال: ألا وإن أول ما يسألانك
عن ربك الذي كنت تعبده وعن نبيك الذي أرسل إليك وعن دينك الذي كنت تدين به وعن
كتابك الذي كنت تتلوه وعن إمامك الذي كنت تتولاه ثم عن عمرك فيما أفنيته ومالك من
أين اكتسبته وفيما أتلفته...»
(270).
2 - ضغطة القبر: ورد ذكر ضغطة القبر في الأحاديث كثيراً
وهي تكون على البعض أشد منها على البعض الاخر، وتعتبر كفارة للذنوب. قالا عندما
دفن الصحابي سعد بن معاذ: « إنه ليس من مؤمن إلا وله ضُمّة » ويقول (ص) : « ضغطة القبر للمؤمن كفارة لما كان منه من تضييع النعم »
(271).
وأن الذي لا يدفن في الأرض يضغطه الهواء كالمصلوب أو
الماء كالغريق.
في رواية عن الإمام الصادق: «
إن رب الأرض هو رب الهواء فيوحي اللّه عز وجل إلى الهواء فيضغطه ضغطة أشد من ضغطة
القبر »
(272).
3 - التزاور: عن الإمام الصادق: « إن المؤمن ليزور أهله فيرى ما يحب ويستر عنه ما يكره وإن
الكافر ليزور أهله فيرى ما يكره ويستر عنه ما يحب »
(273).
4 - انتفاع الأرواح بأعمال الاخرين: توجد روايات كثيرة
تدل على أن عمل الخير عن أرواح الأموات تنفعهم في عالمهم البرزخي وتصل إليهم على
شكل هدايا. وورد في الرواية أن المسيح مرَّ على أحد القبور فوجد صاحبه في العذاب
وعندما مرَّ في العام القابل وجده في النعيم فعندما سأل اللّه تعالى عن ذلك خوطب
بأن السبب هو فعل خيرٍ أداه ابن مؤمن له...»
(274).
البرزخ
لغة هو الحائل بين شيئين أو مرحلتين ففي الاية الشريفة (بينهما برزخ لا يبغيان).
وردت في
القران الكريم عدَّة ايات تتحدث عن عالم البرزخ وتعرضت إلى ذكر بعض الخصوصيات كحال
المؤمنين وحال الكافرين وأحوال الشهداء.
عنه (ص) :
«القبر إما روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النار».
يوجد أحاديث
كثيرة تحدثت عن أحوال البرزخ وعقباته وجناته وحال المؤمنين وانتفاعهم بأعمال
الاخرين والتزاور بينهم وكذلك حال الكافرين وسؤالهم وضغطة القبر وغير ذلك.
يقول تعالى: «وَلاَ
تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاء
عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ
فَرِحِينَ بِمَا اتَاهُمُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ
بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُواْ بِهِم مِّنْ خَلْفِهِمْ أَلاَّ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ
وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ»
1 - ما معنى البرزخ؟
2 - اذكر ايتين يستفاد منهما عالم البرزخ؟
3 - كيف صوَّرت الايات حال الشهداء في عالم البرزخ؟
4 - وصفت الأحاديث عالم البرزخ وخصوصياته؟
5 - كيف نستدل على عالم البرزخ من قصة مؤمن ال فرعون؟
البرزخ
الكافي
الشيخ الكليني، ج3، ص129:
عن الإمام الصادق (ع) : إذا حيل بينه
(275)
وبين الكلام أتاه رسول اللَّها ومن شاء اللَّه فجلس رسول اللَّه (ص) عن يمينه والاخر عن يساره فيقول له رسول
اللَّه (ص) : أما ما كنت ترجو فهوذا أمامك وأما ما كنت تخاف منه فقد أمنت منه، ثم
يفتح له باب إلى الجنة فيقول: هذا منزلك من الجنة فإن شئت رددناك إلى الدنيا ولك
فيها ذهب وفضة، فيقول: لا حاجة لي في الدنيا فعند ذلك يبيض لونه ويرشح جبينه وتقلص
شفتاه وتنتشر منخراه وتدمع عينه اليسرى فأي هذه العلامات رأيت فاكتف بها فإذا خرجت
النفس من الجسد فيعرض عليها كما عرض عليه وهي في الجسد فتختار الاخرة فتغسله فيمن
يغسله وتقلبه فيمن يقلبه فإذا أدرج في أكفانه ووضع على سريره خرجت روحه تمشي بين
أيدي القوم قدماً وتلقاه أرواح المؤمنين يسلمون عليه ويبشرونه بما أعد اللَّه له
جلّ ثناؤه من النعيم فإذا وضع في قبره رد إليه الروح إلى وركيه ثم يسأل عما يعلم
فإذا جاء بما يعلم فتح له ذلك الباب الذي أراه رسول اللَّه (ص) فيدخل عليه من نورها وضوئها وبردها وطيب
ريحها. قال: قلت: جعلت فداك فأين ضغطة القبر؟ فقال: هيهات ما على المؤمنين منها
شيء واللَّه إن هذه الأرض لتفتخر على هذه، فيقول: وطأ على ظهري مؤمن ولم يطأ على
ظهرك مؤمن وتقول له الأرض: واللَّه لقد كنت أحبك وأنت تمشي على ظهري فأما إذا
وليتك فستعلم ماذا أصنع بك، فتفسح له مد بصره.
توحيد المفضل
المؤلف: اسمه ونسبه: علي المفضل بن عمر الجعفي (إملاء
الإمام جعفر الصادق (ع) ) يعتبر من الوجوه المعروفة ومن أبرز تلاميذ الإمام جعفر
الصادق (ع) والإمام موسى الكاظم
(ع) والإمام الرضا (ع) وعلى بعض الروايات أدرك الإمام الباقر
(ع) وروى روايات كثيرة عن الإمامين
الصادق والكاظم؛ ويعتبر من أكبر رواة الحديث.
يندرج توحيد المفضل «في سياق الجدل العقائدي الدائر
انذاك نتيجة تواجد فئة من الملحدين والزنادقة بكثرة في البلاد الإسلامية، وتحديداً
في مكة والمدينة المنورة، من أمثال ابن المقفع وأبي شاكر الديصاني وابن أبي
العوجاء وغيرهم من الذين كانوا على درجة كبيرة من الحنكة والذكاء، الأمر الذي
استدعى من الإمام الصادق (ع)
التصدّي لمواجهتهم ودفع شبهاتهم وتشكيكاتهم.
توحيد المفضل من الكتب القيمة والمعتبرة لدى الشيعة وحظي
باهتمام كبار العلماء وفقهاء الشيعة.
إن لبحث المعاد أثراً كبيراً على صعيد الحياة الدنيوية
وعلى صعيد السعادة الأخروية من حيث إيجاد محفز ودافع قوي لسير الإنسان نحو تكامله.
لهذا كان البحث في المعاد محط اهتمام جميع الأديان وفي كل العصور حتى أنَّ أحد
وجوه الحكمة في بعث اصحاب الكهف هو إثبات المعاد لوجود الجدل الكبير حينها بين
الناس فكان إحياؤهم دليلاً قاطعاً أمام المنكرين يقول تعالى: « أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ
كَانُوا مِنْ ايَاتِنَا عَجَبًا »، « ثُمَّ
بَعَثْنَاهُمْ لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصَى لِمَا لَبِثُوا أَمَدًا »،
« وَكَذَلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَأَنَّ
السَّاعَةَ لَا رَيْبَ فِيهَا »
(276).
ولو ألقينا نظرة على القران الكريم لوجدنا أن ثلث القران
يتكلم عن المعاد أي ما يقرب من (1200) اية من مجموع اياته، وأن اللّه تكلم عن
اليوم الاخر في كل موضع تكلم فيه عن الإيمان باللّه كقوله تعالى:
«وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ امَنَ بِاللّهِ
وَالْيَوْمِ الاخِرِ »
(277).
«إِن كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللّهِ
وَالْيَوْمِ الاخِرِ »
(278).
«مَن كَانَ مِنكُمْ يُؤْمِنُ بِاللّهِ
وَالْيَوْمِ الاخِرِ »
(279).
«يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الاخِرِ
وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ »
(280).
«وَمَاذَا عَلَيْهِمْ لَوْ امَنُواْ
بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الاخِرِ»
(281).
إلى غير ذلك من الايات التي قرن فيها تعالى الإيمان به
بالإيمان باليوم الاخر ما يقرب من ثلاثين اية.
عبَّر القران الكريم في مئات الايات الكريمة بتعبيرات متنوعة
عن المعاد وكل تعبير يتناول بعداً من أبعاده وأهم هذه الأسماء:
1 - قيام الساعة.
2 - إحياء الموتى.
3 - البعث.
4 - الحشر.
5 - النشر.
6 - المعاد والعود.
7 - لقاء اللّه.
8 - الرجوع.
9 - القيامة.
10 - اليوم الاخر.
11 - يوم الحساب.
12 - يوم الدين.
13 - يوم الفصل.
14 - يوم الخروج.
15 - اليوم الموعود.
16 - يوم الخلود.
17 - يوم الحسرة.
18 - يوم التغابن.
إلى غير ذلك مما يقارب السبعين اسماً.
دلائل المعاد في
القران الكريم:
هناك طرق كثيرة في القران الكريم يمكن إثبات المعاد من
خلالها.
1 - ايات الخلق الأول:
يقول تعالى: « وَضَرَبَ لَنَا
مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ * قُلْ
يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ »
(282).
ويقول تعالى: « أَفَعَيِينَا
بِالْخَلْقِ الْأَوَّلِ بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِّنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ »
(283).
ويقول تعالى: « أَوَلَمْ
يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى
اللَّهِ يَسِيرٌ »
(284).
ويقول تعالى: « اللَّهُ
يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ »
(285).
ففي هذه الايات الكريمة يبين الله تعالى إمكان إثبات
المعاد بدليل أن الذي خلقها وكوَّنها في أول مرة قادر على إحيائها وخلقها من جديد
مرة ثانية، لأن القدرة واحدة بل لعل الخلق الثاني أهون وأيسر بنظر المخلوقين ولكن
عند الله تعالى أيسر في كل المراحل لأن قدرته متساوية لجميع الأشياء.
2 - آيات القدرة الإلهية المطلقة:
البحث في المعاد يأتي بعد إثبات التوحيد والصفات
الثبوتية والسلبية وإن إحدى صفاته تعالى (قدرته غير المحدودة) التي ظهرت في خلق
السماوات والأرض والمجرات والكواكب وتنوع المخلوقات ودقة النظام، وذلك كله لدليل
على قدرته تعالى يقول تعالى:
« لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ
أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ »
(286).
ويقول تعالى: « أَوَلَمْ
يَرَوْاْ أَنَّ اللّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ قَادِرٌ عَلَى
أَن يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ »
(287).
ويقول تعالى: « قُلْ سِيرُوا
فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنشِئُ
النَّشْأَةَ الْاخِرَةَ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ »
(288).
ففي هذه الايات المباركة يقيس اللَّه تعالى إحياء الموتى
بخلق السموات والأرض فالذي يخلق هذا الخلق العظيم قادرٌ على إعادة الإنسان الذي
خلقه أولاً.
3 - آيات إحياء الأرض:
إحياء النباتات الميتة هي ظاهرة أخرى من الظواهر الدالة
على المعاد والتي أشار إليها القران الكريم في عدد من اياته فذلك النظام وتلك
الحالة المتكررة والمتجددة في كل عام لدليل صريح على المعاد حيث إن كل من على
الأرض يرى هذه النباتات كيف تموت وكيف تُحيا في كل عام وعند كل موسم إذا تهيأت لها
ظروف الحياة. وإن الحاكم على موت هذه النباتات وعلى إحيائها هو نظام واحد في كل
الموارد وحتى على الإنسان وباقي المخلوقات.
يقول تعالى: « وَنَزَّلْنَا مِنَ
السَّمَاء مَاء مُّبَارَكًا فَأَنبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ *
وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَّهَا طَلْعٌ نَّضِيدٌ * رِزْقًا لِّلْعِبَادِ
وَأَحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً مَّيْتًا كَذَلِكَ الْخُرُوجُ »
(289).
ويقول تعالى: « يُخْرِجُ
الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَيُحْيِي
الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ »
(290).
ويقول تعالى: «وَتَرَى
الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاء اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ
وَأَنبَتَتْ مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ * ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ
وَأَنَّهُ يُحْيِي الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ »
(291).
وفي هذه الايات أيضاً يقيس اللَّه تعالى إحياء الإنسان
بإحياء النباتات بعد موتها لأنها تابعة لنفس القانون وهو أمرٌ يحتاج إلى تأمل
وتفكُّر، ونحن لا نعتني كثيراً بهذا التغيير في النباتات لأننا اعتدنا مشاهدته في
كل عام فصار أمراً عادياً وإلا فإنه تابع لنظام دقيق.
4 - آيات تطور مراحل خلق الإنسان:
إن التغيّرات التي تطرأ على النطفة منذ استقرارها في
الرحم حتى الولادة وتقلّبها وتبدلها في تلك المرحلة لخير دليل على ثبوت المعاد،
لأنه نموذج من نماذجه فإن الإنسان بموته ينتقل من مرحلة إلى مرحلة أخرى.
يقول تعالى: « يَا أَيُّهَا
النَّاسُ إِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن
تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِن مُّضْغَةٍ مُّخَلَّقَةٍ
وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِّنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاء
إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا...* ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ
هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِي الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ
قَدِيرٌ »
(292).
ويقول تعالى: « أَلَمْ يَكُ
نُطْفَةً مِّن مَّنِيٍّ يُمْنَى * ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى *
فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنثَى * أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ
عَلَى أَن يُحْيِيَ الْمَوْتَى »
(293).
ففي هذه الايات يشير القران الكريم إلى مراحل الإنسان
الأربع «التراب، النطفة، العلقة، المضغة» وكل مرحلة تُعتبر بنفسها عالماً عجيباً.
بالإضافة إلى الأدلة القرانية التي مرَّت حول إمكان
المعاد فإن القران الكريم ذكر شواهد تاريخية واقعية على المعاد في ايات وحوادث
متعددة منها:
1 - قصة أصحاب الكهف، التي ذكرناها في بداية البحث حيث
بعثهم اللَّه تعالى بعد ثلاثمائة وتسع سنوات لكي يكونوا دليلاً حياً على المعاد.
يقول تعالى: « وَكَذَلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ
لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَأَنَّ السَّاعَةَ لَا رَيْبَ فِيهَا
»
(294).
2 - قصة النبي عزير (ع) الذي أماته اللَّه تعالى مائة عام ثم بعثه عندما مرَّ على قرية
مهجورة فأراد أن يشاهد إحياء الموتى بنفسه ليكون ذلك دليلاً قاطعاً أمام المنكرين.
يقول تعالى: « أَوْ كَالَّذِي
مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّىَ يُحْيِي
هََذِهِ اللّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللّهُ مِئَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ
قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَل
لَّبِثْتَ مِئَةَ عَامٍ فَانظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانظُرْ
إِلَى حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ ايَةً لِّلنَّاسِ وَانظُرْ إِلَى العِظَامِ كَيْفَ
نُنشِزُهَا
(295)
ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللّهَ
عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ »
(296).
3 - قصة النبي إبراهيم (ع) مع الطيور الأربعة عندما طلب من اللَّه تعالى أن يرتيه كيف
يحيي الموتى حتى يطمئن قلبه.
قال تعالى: « وَإِذْ قَالَ
إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن
قَالَ بَلَى وَلَكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِّنَ
الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ
(297) إِلَيْكَ
ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِّنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ
يَأْتِينَكَ سَعْيًا وَاعْلَمْ أَنَّ اللّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ »
(298)
هذا بالإضافة إلى شواهد أخرى ذكرها القران الكريم وكذلك إحياء النبي عيسى (ع) للموتى لدليل واضح على ذلك.
إنه من المسلم أن في هذه الدنيا يوجد ظالمون ومظلومون
ولكن حقهم لا يأخذونه في هذه الدنيا بصورة كاملة فمقتضى العدالة الإلهية أن يقتص
اللَّه تعالى من الظالمين للمظلومين بمحاسبة عادلة وهذا لا يتحقق في الدنيا لأنهم
قد يموتون من دون تحقق ذلك فلا بد أن يوجد عالم يحاسبون فيه ويؤخذ الحق منهم وهو
عالم الاخرة.
يقول تعالى: « أًمْ حَسِبَ
الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أّن نَّجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ امَنُوا
وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاء مَّحْيَاهُم وَمَمَاتُهُمْ سَاء مَا يَحْكُمُونَ»
(299).
وذلك مقتضى عدالة اللّه سبحانه وتعالى لأنه لا يظلم
مثقال ذرة كما مرَّ في مبحث العدل.
يقول تعالى: « إِنَّ اللّهَ
لاَ يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ »
(300)
ويقول تعالى: « وَنَضَعُ
الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا
وَإِن كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا
حَاسِبِينَ »
(301).
فيبعث اللّه تعالى البشر حتى يحاسبهم.
إن أهم منزل من منازل يوم القيامة مرحلة حساب الخلائق في
محكمة العدل الإلهي فيسأل الإنسان فيها عن الصغيرة والكبيرة، « مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا
كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا »
(302).
حضور الجميع أمام المحكمة الإلهية
يقول تعالى: « وَإِن كُلٌّ
لَّمَّا جَمِيعٌ لَّدَيْنَا مُحْضَرُونَ »
(303).
فهذه الايات تتحدث عن حضور جميع الأمم أمام اللَّه تعالى
في محكمة عدله ليقفوا على جميع ما قدَّموه في حياتهم الدنيا واللَّه تعالى يأخذ
الحقوق ويحكم بينهم يوم القيامة، يقول تعالى: « اللَّهُ
يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ »
(304).
« وَجَاءتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّعَهَا سَائِقٌ
وَشَهِيدٌ »
(305).
واللَّه تعالى في تلك المرحلة يُعطي البدن حتى الجلد
القدرة على التكلم والنطق وكل عضو من الأعضاء يجيب عما فعله، والمذنبون يعاتبون
جلودهم على شهادتهم.
«يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ
وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ »
(306).
«وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدتُّمْ
عَلَيْنَا قَالُوا أَنطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنطَقَ كُلَّ شَيْءٍ »
(307).
ويجيبونهم بأن الأمر وكل شيء بيد اللَّه وقدرته.
وعند ذلك توضع الموازين الدقيقة لتزن أعمال العباد
صغيرها وكبيرها.
« ونضع الموازين القسط ليوم القيامة فلا
تظلم نفس شيئاً وإن كان مثقال حبة من خردل أتينا بها وكفى بنا حاسبين »
(308).
« وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ فَمَن
ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * وَمَنْ خَفَّتْ
مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُواْ أَنفُسَهُم »
(309).
فكل شيء يوزن بهذا الميزان سواء كان كبيراً أم صغيراً
حتى وإن كان بمقدار حبة خردل فسوف يأتي بها اللَّه تعالى، وقيل إن ما يوزن هو
صحيفة الأعمال وأن الميزان هم الأنبياء والأوصياء كما في تفسير البرهان
(310).
وقد ورد في الروايات أيضاً أن أمير المؤمنين علي بن أبي
طالب (ع) : هو ميزان الأعمال، لذلك نقول في الزيارة المطلقة لأمير المؤمنين
(ع) (السلام على ميزان الأعمال)
(311)
وهو قسيم الجنة والنار كما ورد عن الإمام الصادق (ع) للمفضل بن عمر عندما سئل: «لمَ صار
أمير المؤمنين علي بن أبي طالب قسيم الجنة والنار؟ قال: لأن حبه إيمان وبغضه كفر،
وإنما خلقت الجنة لأهل الإيمان وخلقت النار لأهل الكفر فهو (ع) قسيم الجنة والنار»
(312).
يقول تعالى: «هَذَا مَا
تُوعَدُونَ لِيَوْمِ الْحِسَابِ »
(313).
«إِنَّ اللّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ »
(314).
«ألا له الحكم وهو أسرع الحاسبين»
(315).
إن مسألة الحساب هي مسألة واضحة وجلية يوم القيامة حتى
سمي ذلك اليوم بيوم الحساب جعلنا اللَّه تعالى من المستعدين لذلك اليوم العظيم.
إن لبحث
المعاد أثراً كبيراً على صعيد الحياة الدنيوية والأخروية فإنه يوجد محفّز للإهتمام
والعمل.
إن ثلث الايات
القرانية تتحدث عن المعاد وخصوصياته وما يقرب من (1200) اية.
للمعاد
عدة أسماء في القران الكريم منها «قيام الساعة، إحياء الموتى، البعث، الحشر،
القيامة...».
هناك طرق
كثيرة في القران الكريم يمكن إثبات المعاد من خلالها منها:
1 - آيات الخلق الأول.
2 - آيات القدرة الإلهية المطلقة.
3 - آيات إحياء الموتى.
4 - آيات تطور مراحل خلق الإنسان.
هذا
بالإضافة إلى نماذج واقعية كثيرة ذكرت في القران الكريم لأناس ماتوا ورجعوا
«كالنبي عزير (ع) وأصحاب الكهف».
يقول تعالى: «يَا أَيُّهَا
النَّاسُ إِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن
تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِن مُّضْغَةٍ
مُّخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِّنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي
الْأَرْحَامِ مَا نَشَاء إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا...».
1 - ما هي أهمية البحث عن المعاد؟
2 - عدّد بعض أسماء المعاد في القران الكريم؟
3 - ما هو دليل العدل الإلهي على المعاد؟
4 -كيف
استدل القران الكريم بايات إحياء الأرض على المعاد؟
5 بماذا
فُسِّر ميزان الأعمال واذكر حديثاً يدل على ذلك.
المعاد
صورة من القبر
عن الإمام علي (ع) : إن ابن ادم إذا كان في اخر يوم من
أيام الدنيا وأول يوم من أيام الاخرة مثل له ماله وولده وعمله، فيلتفت إلى ماله
فيقول: واللَّه إني كنت عليك حريصاً شحيحاً فمالي عندك؟ فيقول: خذ مني كفنك، قال:
فيلتفت إلى ولده فيقول: واللَّه إني كنت لكم محباً وإني كنت عليكم محامياً فماذا
لي عندكم؟ فيقولون: نؤديك إلى حفرتك نواريك فيها، قال: فيلتفت إلى عمله فيقول:
واللَّه إني كنت فيك لزاهداً وإن كنت علي لثقيلاً فماذا عندك؟ فيقول: أنا قرينك في
قبرك ويوم نشرك حتى أعرض أنا وأنت على ربك، قال: فإن كان للَّه ولياً أتاه أطيب
الناس ريحاً وأحسنهم منظراً وأحسنهم رياشاً فقال: أبشر بروح وريحان وجنة نعيم
ومقدمك خير مقدم، فيقول له: من أنت؟ فيقول: أنا عملك الصالح ارتحل من الدنيا إلى
الجنة وإنه ليعرف غاسله ويناشد حامله أن يعجله فإذا ادخل قبره أتاه ملكا القبر
يجران أشعارهما ويخدان الأرض بأقدامهما، أصواتهما كالرعد القاصف وأبصارهما كالبرق
الخاطف فيقولان له: من ربك؟ وما دينك؟ ومن نبيك؟ فيقول: اللَّه ربي وديني الإسلام،
ونبيي محمد (ص) ، فيقولان له: ثبتك اللَّه فيما تحب وترضى، وهو قول اللَّه عزَّ
وجلَّ: « يثبّت اللَّه الذين امنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الاخرة،
ثم يفسحان له في قبره مد بصره ثم يفتحان له باباً إلى الجنة، ثم يقولان له: نم
قرير العين، نوم الشاب الناعم، فإن اللَّه عزَّ وجلَّ يقول: « أصحاب الجنة يومئذ
خير مستقراً وأحسن مقيلاً » قال: وإن كان لربه عدواً فإنه يأتيه أقبح من خلق
اللَّه زياً ورؤياً وأنتنه ريحاً فيقول له: أبشر بنزل من حميم وتصلية جحيم، وإنه
ليعرف غاسله ويناشد حملته أن يحبسوه فإذا ادخل القبر أتاه ممتحنا القبر فألقيا عنه
أكفانه ثم يقولان له: من ربك وما دينك؟ ومن نبيك؟ فيقول: لا أدري فيقولان: لا دريت
ولا هديت، فيضربان يافوخه بمرزبة معهما ضربة ما خلق اللَّه عزَّ وجلَّ من دابة
إلا وتذعر لها ما خلا الثقلين ثم يفتحان له باباً إلى النار، ثم يقولان له: نم بشر
حال فيه من الضيق مثل ما فيه القنا من الزج حتى أن دماغه ليخرج من بين ظفره ولحمه
ويسلط اللَّه عليه حيات الأرض وعقاربها وهوامها فتنهشه حتى يبعثه اللَّه من قبره
وإنه ليتمنى قيام الساعة فيما هو فيه من الشر.
الاعتقادات في دين الإمامية
المؤلف: محمد بن علي بن الحسين بن بابويه القمي المعروف
بالشيخ الصدوق.
أبواب الكتاب ومطالبه:
كتاب الاعتقادات للشيخ أبي جعفر الصدوق ذكر فيه اعتقادات
الشيعة الإثني عشرية من خلال أحاديث أهل البيت (عليهم السلام) ، وفي كل باب من
أبوابه أورد أحاديث تتضمن ما قاله أئمة أهل العصمة (عليهم السلام) فعلى سبيل المثال في باب الاعتقاد في
الإرادة والمشيئة، قال الشيخ أبو جعفر: اعتقادنا في ذلك قول الصادق (ع) الخ...، فيتضح لنا من خلال هذا أن هذه
الكتب التي عنيت بالإشارة لما هو مروي عن الأئمة الأطهار (عليهم السلام) فهو من الكتب المهمة في العقائد.
(1) إبراهيم: 10
(2) اقبال الأعمال، ص350
(3) الروم: 30
(4) يونس: 22
23
(5) العنكبوت: 65
(6) يونس: 12
(7) فاطر: 15
17
(8) سورة فاطر، الاية: 15.
(9) سورة محمد، الاية: 38.
(10) الطور :35
36
(11) الطور: 43
(12) البقرة: 164
(13) انظر: نفحات القران، ناصر مكارم الشيرازي، ج2، ص184 وما
بعدها.
(14)
الشورى: 11
(15)
الاخلاص: 1 4
(16) الزمر: 4
(17) المائدة: 73
(18) سورة الأنبياء، الاية: 22.
(19) موسوعة الإمام الجواد، ج2، ص570.
(20) الرعد: 16
(21) الزمر: 62
(22) غافر: 62
(23) الأنعام: 102
(24) يونس: 3
(25) الرعد: 2
(26) النازعات: 5
(27) الأنعام: 61
(28) الأنبياء: 22
(29) المؤمنون: 91
(30) ال عمران: 64
(31)
توحيد المفضل، ص16.
(32)
تلمظ: أخرج لسانه ومسح
به شفتيه.
(33) سورة البقرة، الاية: 282.
(34) سورة النساء، الاية: 12.
(35) سورة ق، الاية: 16.
(36) سورة النور، الاية: 18.
(37) سورة الأنعام، الاية: 59.
(38)
سورة ال عمران، الاية:
29.
(39)
سورة الملك، الاية: 14.
(40) نهج البلاغة، خطبة 178.
(41) نهج البلاغة، خطبة 86.
(42) سورة البقرة، الاية: 224.
(43) سورة البقرة، الاية: 244.
(44) سورة الحديد، الاية: 4.
(45) سورة المجادلة، الاية: 1.
(46) سورة الأحزاب،
الاية: 27.
(47) سورة الكهف، الاية: 45.
(48) سورة فاطر، الاية: 44.
(49)
سورة المؤمنون، الاية:
14.
(50)
سورة المائدة، الاية:
64.
(51)
سورة الفرقان، الاية:
58.
(52)
سورة البقرة، الاية:
255.
(53) سورة يس، الاية: 82.
(54) سورة البقرة الاية: .185
(55) سورة البقرة، الاية: 253.
(56) سورة المائدة، الاية: 1.
(57) سورة هود، الاية: 107.
(58) سورة البقرة، الاية: 263
(59)
سورة البقرة، الاية:
267.
(60)
سورة ال عمران، الاية:
97.
(61) سورة التغابن، الاية: 6.
(62) سورة الشورى، الاية: 11.
(63) سورة الأعراف، الاية: 143.
(64) سورة الأنعام، الاية: 103.
(65) الإرشاد، ج1، ص225.
(66) سورة البقرة، الاية: 263.
(67) سورة ال عمران، الاية: 97.
(68) الأنعام: 75-79
(69) سورة الرحمن، الاية: 27.
(70) تفسير
القمي، ج1، ص89.
(71) التوحيد والعدل، السيد دستغيب، ص164.
(72) نهج البلاغة، حكمة 470.
(73) سورة الزلزلة، الايتان: 7 8.
(74)
بحار الأنوار، ج75،
ص350.
(75) سورة النساء، الاية: 58
(76) سورة النحل، الاية: 90.
(77) سورة النساء، الاية: 12.
(78) سورة المائدة، الاية: 97.
(79) سورة يونس، الاية: 61.
(80) سورة المجادلة، الاية: 21.
(81) سورة البقرة، الاية: 259.
(82) سورة البقرة، الاية: 267
(83)
سورة العنكبوت، الاية:
6.
(84) سورة الأنبياء، الاية: 16.
(85) سورة البقرة، الاية: 286.
(86) سورة البقرة، الاية: 185.
(87) سورة الحج، الاية: 78.
(88) سورة النحل، الاية: 118.
(89) سورة الأحزاب، الاية: 67.
(90) سورة الملك، الاية: 2.
(91)
سورة الحجرات، الاية: 13
(92)
سورة الحجرات، الاية:
7.
(93) سورة النساء، الاية: 40.
(94) سورة فصلت، الاية: 46.
(95) سورة الزلزلة، الايتان: 7 8.
(96) سورة الطلاق، الاية: 1.
(97) سورة ال عمران، الاية: 117.
(98) سورة الزخرف، الاية: 76.
(99) سورة إبراهيم، الاية: 42.
(100) سورة سبأ، الاية: 31.
(101)
سورة الفرقان،
الاية: 27.
(102)
سورة الشورى، الاية:
45.
(103) سورة الأنفال، الاية: 27.
(104) سورة البقرة، الاية: 268.
(105) سورة إبراهيم الاية: 22
(106) سورة الأنعام، الاية: 148.
(107) سورة الأنعام، الاية: 148.
(108) سورة الأعراف، الاية: 28.
(109) سورة الزخرف، الاية: 20.
(110) سورة الزمر، الاية: 62.
(111) سورة فاطر، الاية: 3.
(112) سورة الصافات، الاية: 36.
(113) سورة البقرة، الاية: 79.
(114)
سورة النجم، الاية:
23.
(115)
سورة الرعد، الاية:
11.
(116) سورة التكوير، الاية: 29.
(117) الاعتقاد للشيخ المفيد، ص30.
(118) تفسير القمي، ج1، ص227.
(119) سورة الإنسان الاية : 3
(120) سورة النساء، الاية: 123.
(121) سورة الطور، الاية: 21.
(122) سورة إبراهيم، الاية: 22.
(123) سورة الأنعام، الاية: 160.
(124)
سورة النمل، الاية:
89.
(125)
سورة النحل، الاية:
97.
(126) سورة الكهف، الاية: 29.
(127) سورة المزمل، الاية: 19.
(128) سورة ال عمران، الاية: 133.
(129) سورة التوبة، الاية: 105.
(130) دروس في العقيدة الإسلامية (ري شهري)، ص143.
(131)
الأوائل، ج2،
ص125.
(132)
الإمامة والسياسة،
ج1، ص171.
(133) سورة البقرة، الاية: 216.
(134) سورة النساء، الاية: 65.
(135) سورة الإسراء، الاية: 85.
(136) سورة ال عمران، الاية: 157.
(137) سورة ال عمران، الاية: 180.
(138) سورة ال عمران، الاية: 178.
(139) سورة الشورى، الاية: 30.
(140)
سورة النساء، الاية:
79.
(141)
سورة الأعراف، الاية:
96.
(142) سورة الشورى، الاية: 30.
(143) سورة العنكبوت، الاية: 40.
(144) سورة الكهف، الاية: 59.
(145) سورة ال عمران، الاية: 178.
(146) سورة الأنعام، الاية: 44.
(147) سورة الأنبياء، الاية: 35.
(148) سورة العنكبوت، الايتان: 2 - 3.
(149)
سورة الأنبياء، الاية:
35.
(150)
الدعوات للراوندي،
ص168.
(151) بحار الأنوار، ج67، ص237.
(152) نفس المصدر السابق، ج78، ص165.
(153)
نفس المصدر، ج67، ص244.
(154)
نفس المصدر، ج81، ص188
(155)
بحار الأنوار، الجزء
15، القسم الأول، ص56، منقول عن الكافي، الطبعة الحجرية.
(156) بحار الأنوار، الجزء 15، القسم الأول، ص55، منقول عن
الكافي، الطبعة الحجرية.
(157) سورة المؤمنون، الاية: 115.
(158) سورة الدخان، الايتان: 38 39.
(159)
سورة الذاريات، الاية:
56.
(160)
بحار الأنوار، ج84،
ص199.
(161) سورة الشورى، الاية: 51.
(162) سورة فاطر، الاية: 24.
(163) نهج البلاغة، خطبة 1.
(164) سورة النساء، الاية: 163.
(165) سورة البقرة، الاية: 136.
(166) سورة النساء، الايتان: 150 151.
(167) سورة الغاشية، الاية: 21.
(168)
سورة الأنعام، الاية:
90.
(169)
سورة طه، الايات:
1 3.
(170) نهج البلاغة، خطبة 1، ص23.
(171) سورة الممتحنة، الاية: 4.
(172) سورة الأحزاب، الاية: 21.
(173) سورة البقرة، الاية: 213.
(174) سورة البقرة، الاية: 151.
(175) سورة الأنعام، الاية: 48.
(176) سورة النحل، الاية: 36.
(177) سورة إبراهيم، الاية: 5.
(178)
سورة الفتح، الاية: 8.
(179)
سورة المائدة، الاية:
99.
(180) سورة البقرة، الاية: 213.
(181) سورة الأحزاب، الاية: 21.
(182) سورة ال عمران، الاية: 159.
(183)
سورة الصف، الاية:
2 3.
(184)
سورة البقرة، الاية:
44.
(185)
سورة القلم، الاية: 4.
(186)
سورة الأنبياء، الاية:
73.
(187)
سورة الأنعام، الاية:
90.
(188)
سورة النجم، الايتان:
3 4.
(189)
سورة ال عمران، الاية:
164.
(190)
سور ة الجمعة، الاية:
2.
(191) سورة القلم، الاية: 4.
(192) سورة الصف، الاية:
60.
(193) سورة الأعراف، الاية: 157.
(194) سورة البقرة، الاية: 129.
(195) سورة الشعراء، الاية: 154.
(196) سورة الأعراف، الايتان: 105 - 106.
(197)
سورة ال عمران، الاية:
49.
(198)
القمر: 1 - 2
(199) سورة الأنفال، الاية: 17.
(200) سورة الإسراء، الاية: 88.
(201) سورة هود، الاية: 13.
(202) سورة يونس، الاية: 38.
(203) سورة النساء الاية: 82.
(204) سورة الروم الاية: 2- 3.
(205)
سورة التوبة، الاية:
33، سورة الفتح، الاية: 28، سورة الصف، الاية: 9.
(206)
سورة سبأ، الاية: 28.
(207) سورة الأحزاب، الاية: 40.
(208)
وسائل الشيعة، ج1،
ص15.
(209)
المصدر السابق نفسه.
(210) النبوة، المعاد، الإمامة، دستغيب، ص32 33.
(211)
سورة المائدة، الاية:
3.
(212)
سورة المائدة، الاية:
67.
(213)
بحار الأنوار، ج23،
ص141.
(214) نهج البلاغة، حكمة 147.
(215) الكافي، ج1، ص178.
(216) سورة البقرة، الاية: 124.
(217)
الاية نفسها
(218)
سورة الأحزاب، الاية:
33،
(219) سورة يس، الاية: 82.
(220) الإرشاد، ج1، ص50.
(221) سورة المائدة، الاية:
55.
(222) سورة المعارج، الاية: 2.
(223)
تفسير الفخر الرازي،
ج8، ص292.
(224)
بحار الأنوار، ج36،
ص266.
(225) المصدر نفسه، ج23، ص289.
(226) من لا يحضره الفقيه، ج1، ص195.
(227) سورة العنكبوت، الاية: 97.57
(228) سورة الرحمن، الاية: 26.
(229) سورة الزمر، الاية: 30.
(230) سورة ق، الاية: 19.
(231) سورة الأعراف، الاية: 34.
(232) سورة البقرة، الاية: 243.
(233) سورة النساء، الاية: 78.
(234) سورة الجمعة، الاية: 8.
(235) شرح أصول الكافي، ج6، ص70.
(236) سورة ال عمران، الاية: 169.
(237) حق اليقين، ج2، ص89.
(238) نفس المصدر السابق.
(239) سورة الزمر، الاية: 42.
(240) سورة الأنعام، الاية: 61.
(241) سورة النحل، الاية: 32.
(242) سورة السجدة، الاية: 11.
(243) الذكرى (الشهيد الأول)، ص37.
(244) سورة الملك، الاية: 2.
(245) سورة النحل، الاية: 28.
(246)
سورة النحل، الاية:
32.
(247)
سورة الأنفال، الاية:
28.
(248)
سورة التكاثر،
الايتان: 1 2.
(249) حق اليقين، ج2، ص89.
(250) نفس المصدر السابق.
(251) سورة النحل، الايتان: 28 29.
(252) سورة محمد، الاية: 27.
(253) سورة النحل، الاية: 32.
(254)
حق اليقين، ج2، ص95،
سورة الفجر، الايتان: 29 30.
(255)
الكافي، ج3، ص127.
(256)
سورة الرحمن، الاية: 20.
(257) سورة المؤمنون، الاية: 99,100.
(258) بحار الأنوار ج4 ص43.
(259) تفسير البرهان ح3 ص120.
(260)
سورة البقرة، الاية:
154.
(261)
سورة ال عمران، الاية:
169 170.
(262)
سورة غافر، الاية: 46.
(263) بحار الأنوار، ح6 ص276.
(264) المصدر السابق نفسه.
(265) سورة يس، الاية: 26.
(266)
القليب: هو البئر
والمراد منه بئر بدر.
(267)
بحار الأنوار ح6
ص254.
(268)
نهج البلاغة الكلمات
القصار، 130.
(269) فروع الكافي ح3 ص244.
(270) بحار الأنوار ج6 ص223.
(271) بحار الأنوار ج6 ص 271.
(272) نفس المصدر السابق ص266.
(273)
الكافي ج3 ص 230.
(274)
بحار الأنوار ج6 ص220.
(275) بين المحتضر.
(276) سورة الكهف، الاية: 9 12 21.
(277)
سورة البقرة، الاية:
177.
(278)
سورة البقرة، الاية:
228.
(279) سورة البقرة، الاية: 232.
(280)
سورة ال عمران، الاية:
114.
(281)
سورة النساء، الاية:
39.
(282) سورة يس، الاية: 78 79.
(283) سورة ق، الاية: 15.
(284) سورة العنكبوت، الاية: 19.
(285) سورة الروم، الاية: 11.
(286)
سورة العنكبوت، الاية:
20.
(287) سورة الإسراء، الاية: 99.
(288)
سورة غافر الاية: 57.
(289) سورة ق، الاية: 9
11.
(290) سورة الروم، الاية: 19.
(291) سورة الحج، الاية: 5 6.
(292)
سورة الحج، الاية:
5 6.
(293)
سورة القيامة، الاية:
37 40.
(294)
سورة
الكهف، الاية: 21.
(295) ننشزها: نرفع بعضها فوق بعض.
(296) سورة البقرة، الاية: 259.
(297) صرهنّ: أضممهن.
(298) سورة البقرة، الاية: 260.
(299) سورة الجاثية، الاية: 21.
(300) سورة النساء، الاية: 40.
(301)
سورة الأنبياء،
الاية: 47.
(302)
سورة الكهف، الاية:
49.
(303) سورة يس، الاية: 32.
(304) سورة الحج، الاية: 69.
(305) سورة ق، الاية: 21.
(306) سورة النور، الاية: 24.
(307) سورة فصلت، الاية: 21.
(308) سورة النبأ، الاية: 47.
(309) سورة الأعراف، الايتان: 8 9.
(310) ج3، ص61، الكافي، ج1، ص419.
(311)
مفاتيح الجنان
الزيارة المطلقة.
(312)
علل الشرائع،
ج1، ص162.
(313) سورة ص، الاية:
53.
(314) سورة ال عمران،
الاية: 199.
(315)
سورة الأنعام،
الاية: 92.